اتفاق تحالف مكة للدفاع لمشترك 2026
أجرت جمعية الشؤون الدولية في يوم الثلاثاء الموافق 18-8-2026 حواراً دار حول موضوع «اتفاق تحالف مكة للدفاع المشترك 2026»، بمشاركة الدكتور عزت جرادات والدكتور أحمد عياصرة، حيث تناول الحوار خلفيات الاتفاق وأهدافه وأبعاده الاستراتيجية، وعناصر القوة التي تستند إليها الدول المشاركة، إلى جانب فرص نجاحه والتحديات التي قد تعترضه، ومدى ارتباطه بالتحولات الأمنية والعسكرية التي تشهدها المنطقة، خصوصاً في أعقاب الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وما أظهرته من تغيرات في طبيعة التهديدات وأساليب الردع والدفاع.
واستهل الحوار بالتوقف عند دلالة اختيار مكة المكرمة مكاناً للاتفاق، باعتبارها مدينة ارتبط تاريخياً بمحاولات بناء التوافق وإرساء قيم الحماية والعدل. وتمت الإشارة في هذا السياق إلى «حلف الفضول» الذي شهدته مكة في الجاهلية، والذي استحضره الرسول صلى الله عليه وسلم بإيجابية بعد البعثة، باعتباره نموذجاً لاتفاق يقوم على منع الظلم ونصرة الحق. ومن هنا برزت أهمية أن تتحول تسمية «اتفاق مكة للدفاع المشترك» من مجرد عنوان رمزي إلى مضمون عملي قادر على تحقيق الأهداف التي أعلن من أجلها.
وأشار الدكتور عزت جرادات إلى أن الاتفاق يأتي في سياق تطورات أمنية متسارعة، وأنه ليس حدثاً منفصلاً عن النقاشات التي سبقت الإعلان عنه، ولا سيما اللقاءات الرباعية التي جرى بحثها خلال الفترة الماضية بين السعودية ومصر وتركيا وباكستان. فقد كان الاعتقاد السائد أن التعاون بين هذه الدول قد يتطور إلى إطار اقتصادي أو سياسي وأمني، من دون أن يصل بالضرورة إلى مستوى التعاون العسكري، إلا أن الاتفاق الجديد جاء ليضيف البعد الدفاعي والعسكري بصورة مباشرة.
وحدد جرادات مجموعة من المسوغات التي تقف وراء نشوء الاتفاق، في مقدمتها ما أظهرته حروب عام 2026 من محدودية فعالية بعض المنظومات الدفاعية التقليدية، والحاجة إلى تكامل القدرات وتنوعها بين الدول التي تواجه تحديات أمنية متقاربة. كما أن التحالفات أصبحت، في نظره، ضرورة في المناطق غير المستقرة، خصوصاً في ظل التهديدات المفاجئة والعابرة للحدود. ولم يعد التباعد الجغرافي عائقاً أمام التعاون الدفاعي، في ظل طبيعة الحروب الحديثة التي تجاوزت الحدود التقليدية وأصبحت تشمل الصواريخ والطائرات المسيرة والهجمات السيبرانية وأشكالاً أخرى من التهديدات.
وبيّن أن الهدف الرئيسي للاتفاق يتمثل في تعزيز الردع والدفاع الجماعي، بحيث ينظر إلى أي هجوم مسلح تتعرض له إحدى الدول الثلاث باعتباره تهديداً للدول الأعضاء مجتمعة، في صيغة تقترب من مفهوم المادة الخامسة في حلف شمال الأطلسي، مع التأكيد على أن الاتفاق، وفق ما طرحه، دفاعي وليس موجهاً ضد دولة بعينها.
وتتمثل الوسائل المقترحة لتحقيق هذه الأهداف في الدفاع المتبادل، وتعزيز التعاون العسكري، وتبادل الخبرات والقدرات والصناعات الدفاعية، ورفع مستوى التنسيق الاستخباراتي وتبادل المعلومات الأمنية، إلى جانب إنشاء هيكل تنظيمي قادر على متابعة تنفيذ الاتفاق، بما في ذلك أمانة عامة ولجنة وزارية للتنسيق والمتابعة، حتى لا يبقى الاتفاق مجرد وثيقة سياسية أو إعلان نظري.
وفي قراءة عناصر القوة، أوضح جرادات أن السعودية تمثل قوة مالية واقتصادية وطاقوية وجغرافية ودينية، بما تمتلكه من مكانة مؤثرة في العالم الإسلامي، بينما تمتلك تركيا قاعدة صناعية دفاعية متقدمة وخبرة تكنولوجية وعسكرية واسعة، في حين تتمتع باكستان بقدرات بشرية وعسكرية وصاروخية، فضلاً عن كونها دولة نووية. ويجعل جمع هذه العناصر الثلاثة في إطار واحد الاتفاق مختلفاً عن التحالفات التي تقوم على عنصر قوة واحد، إذ يجمع المال والطاقة والموقع الجغرافي والصناعة والتكنولوجيا والقوة العسكرية والقدرة النووية.
ورأى أن الاتفاق يمتلك قابلية للتوسع، خصوصاً أن الباب مفتوح أمام انضمام دول إقليمية أخرى، الأمر الذي يثير تساؤلات مهمة، من بينها إمكانية انضمام إيران مستقبلاً، وما إذا كان ذلك سيغير طبيعة الاتفاق ووظيفته. كما أن الاتفاق، من حيث مضمونه، لا يقدم نفسه على أنه تحالف معادٍ لدولة محددة، ولا يلغي التزامات أو تحالفات الدول الأعضاء القائمة مع أطراف أخرى.
وتوقف جرادات عند مواقف عدد من دول المنطقة، وفي مقدمتها مصر، موضحاً أن القاهرة كانت على اطلاع بالمناقشات والخطوات التي سبقت ولادة الاتفاق، إلا أن اعتبارات دستورية وقانونية واستراتيجية حالت دون مشاركتها في هذه المرحلة. وأشار إلى أن مصر كانت شريكاً أساسياً في النقاشات السابقة، وأن غيابها يظل من النقاط التي تحتاج إلى قراءة دقيقة، نظراً إلى ثقلها العسكري والسياسي وموقعها في منظومة الأمن العربي.
كما تناول مواقف الإمارات وقطر، مشيراً إلى اختلاف حسابات كل دولة في ضوء علاقاتها الإقليمية والدولية، وإلى أن بعض دول الخليج تتحرك ضمن رؤى متعددة للأمن الإقليمي. أما إيران، فقد طرح وجودها كأحد أبرز الأسئلة المستقبلية أمام الاتفاق، خصوصاً في ضوء أن النص يتيح من حيث المبدأ إمكانية انضمام دول أخرى.
وعلى مستوى الموقف الأمريكي والغربي، أوضح أن المؤشرات التي نقلتها وسائل الإعلام الغربية لا تنظر بالضرورة إلى الاتفاق باعتباره خصماً للغرب، بل يمكن أن يمثل، إذا نجح، وسيلة لتقاسم الأعباء الأمنية، وتوظيف القدرات المالية والتكنولوجية والعسكرية للدول المشاركة في حماية المنطقة. وفي المقابل، ظهرت في الإعلام الإسرائيلي قراءات أكثر تشككاً، وصفت الاتفاق بأنه قد يبقى مجرد «حبر على ورق»، في ظل التساؤلات حول قدرته على الانتقال من المستوى السياسي إلى مستوى عسكري عملي.
من جانبه، قدم الدكتور أحمد عياصرة قراءة ركزت على السياسة الدفاعية والعقيدة العسكرية، موضحاً أن فكرة الاتفاق تبدو في الأساس سعودية، وأن المملكة، في ضوء المتغيرات الجيوسياسية والتكنولوجية، باتت تبحث عن أسلوب جديد لحماية أمنها الوطني. فالتطور السريع في وسائل الحرب، وخصوصاً الصواريخ والطائرات المسيرة، فرض إعادة النظر في العقائد الدفاعية التقليدية.
وأوضح أن السياسة الدفاعية لا تبنى من فراغ، وإنما تستند إلى دراسة دقيقة للبيئة الاستراتيجية، وإمكانات الخصوم، وقدراتهم العسكرية والتكنولوجية والاقتصادية، ونواياهم، إلى جانب دراسة قدرات الدولة نفسها ومواطن قوتها وضعفها، ثم بناء عقيدة عسكرية وخطط دفاعية تتناسب مع طبيعة التهديدات.
وفي هذا السياق، رأى عياصرة أن أهمية الاتفاق لا تكمن فقط في القوة العسكرية للدول الثلاث، وإنما في التكامل بين عناصر مختلفة من القوة؛ فالسعودية توفر التمويل والموقع الجغرافي والمكانة الدينية، وتركيا توفر التكنولوجيا والصناعات الدفاعية والخبرة العسكرية، فيما توفر باكستان القوة البشرية والعسكرية والقدرة النووية. وبذلك يمكن أن يشكل الاتفاق إطاراً دفاعياً استراتيجياً ثلاثياً قابلاً للتحول، إذا توفرت شروط النجاح، إلى منظومة أمن إقليمية أوسع.
وأشار إلى أن من أبرز دوافع الاتفاق أزمة الثقة بالمظلة الأمنية التقليدية، إذ أصبحت بعض دول المنطقة ترى أن الاعتماد الكامل على الحماية الأمريكية لم يعد كافياً لمواجهة التحديات الجديدة. لكنه أكد أن الاتفاق لا يعني، في المرحلة الحالية، الاستغناء عن الولايات المتحدة أو استبدالها، وإنما يمكن أن يمثل طبقة أمنية إضافية وشريكاً ومكملاً للمنظومة القائمة.
كما يمثل الردع أحد أهم أهداف الاتفاق، لأن أي دولة تفكر في الاعتداء على إحدى الدول الثلاث ستدرك أن المواجهة لن تكون مع دولة منفردة، وإنما مع منظومة تضم ثلاث قوى ذات قدرات متنوعة. وبرزت كذلك مواجهة التهديدات الصاروخية والطائرات المسيرة باعتبارها من أكثر القضايا إلحاحاً، بعدما أثبتت هذه الأسلحة قدرتها على تجاوز الحدود وإحداث أضرار كبيرة بكلفة محدودة.
وشدد عياصرة على أهمية الصناعات الدفاعية المشتركة باعتبارها أحد أكثر الأهداف قابلية للاستمرار، حتى في حال تغيرت الظروف السياسية أو تراجعت حدة التوتر العسكري. فإقامة مشاريع مشتركة في التصنيع العسكري، وتبادل التكنولوجيا والخبرات، وتطوير منظومات الدفاع الجوي والصاروخي، يمكن أن تمنح الدول الثلاث مكاسب استراتيجية واقتصادية طويلة المدى.
وفي المقابل، طرح عياصرة مجموعة من نقاط الضعف والتحديات، أبرزها اختلاف مصالح الدول الثلاث. فتركيا لديها حساباتها الخاصة مع إسرائيل واليونان وقبرص، وباكستان لديها أولويات مرتبطة بالهند والصين وأفغانستان، بينما يمثل التهديد الإيراني بالنسبة إلى السعودية أولوية أكبر مما هو عليه بالنسبة إلى تركيا وباكستان. ومن هنا يبرز السؤال حول قدرة الدول الثلاث على اتخاذ قرار عسكري موحد في حال وقوع أزمة.
وطرح في هذا الإطار أسئلة جوهرية حول طبيعة العدوان الذي يستوجب التدخل، وما إذا كان الهجوم السيبراني يدخل ضمن مفهوم الدفاع المشترك، وهل يشمل الاعتداء على قوات إحدى الدول خارج أراضيها أو على سفنها التجارية، وماذا سيكون موقف الدول الثلاث إذا وقع صدام بين الهند وباكستان أو بين تركيا وإسرائيل. وأكد أن الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي ستحدد الوزن الحقيقي للاتفاق.
كما أشار إلى مشكلة اختلاف مصادر التسليح بين الدول الثلاث، فتركيا تعتمد على مزيج من الصناعات المحلية والغربية، والسعودية تعتمد بدرجة كبيرة على التسليح الأمريكي والغربي، بينما تعتمد باكستان بدرجة أكبر على الصين، إلى جانب امتلاكها منظومات أمريكية وصناعات محلية. ولذلك فإن تحقيق التكامل العسكري الحقيقي يحتاج إلى تدريب مشترك ومنظومات متوافقة وربما تشكيل قوة مشتركة ذات تسليح وعقيدة عسكرية واضحة.
وفي ختام مداخلته، وضع عياصرة ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الاتفاق. الأول أن ينجح ويتطور إلى منظومة دفاعية حقيقية وتنضم إليه دول أخرى، وفي مقدمتها مصر، ليصبح أحد ركائز الأمن الإقليمي. والثاني، وهو الأكثر احتمالاً، أن يبقى إطاراً استراتيجياً قوياً يركز على الاستخبارات والتدريب المشترك والدفاع الجوي والأمن البحري والصناعات الدفاعية والتنسيق السياسي دون أن يتحول إلى نسخة من حلف الناتو. أما السيناريو الثالث فيتمثل في تراجع الاتفاق إلى مجرد إطار سياسي رمزي إذا ظهرت خلافات داخلية ولم يتم الاتفاق على آليات عسكرية واضحة.
وشهد الحوار بعد ذلك نقاشاً واسعاً من المشاركين، ركز في جوهره على السؤال الأساسي: لماذا ظهر هذا التحالف الآن، ولمن يوجه؟ فقد رأى أحد المتداخلين أن فهم الاتفاق يتطلب قراءة البيئة الاستراتيجية الدولية والإقليمية، في ظل تراجع نسبي في الدور الأمريكي وصعود قوى دولية جديدة، وفي مقدمتها الصين، إضافة إلى التحولات التي طرأت على القضية الفلسطينية والعلاقات التركية الإسرائيلية والحرب الأخيرة على إيران.
وأشار إلى أن وجود تهديدات مشتركة، سواء من إسرائيل أو إيران، لا يعني بالضرورة وجود تطابق كامل في مصالح الدول الثلاث. فإيران تمثل تهديداً مباشراً للسعودية، لكنها لا تمثل التهديد نفسه لتركيا وباكستان، الأمر الذي يجعل السؤال حول هوية الخصم الحقيقي للتحالف قائماً. كما طرح تساؤلاً مهماً حول موقف الأردن، ومدى استفادته من الانضمام إلى مثل هذا التحالف، وما إذا كانت الدول الثلاث مستعدة للدخول في مواجهة عسكرية مع إسرائيل دفاعاً عن الأردن إذا تعرض لتهديد مباشر.
وفي مداخلة أخرى، جرى التأكيد على أن الحرب الأخيرة أظهرت بوضوح أهمية بناء قدرات محلية للدفاع، وأن التحالف قد يمثل طبقة أمنية جديدة في المنطقة لا تلغي المظلة الأمريكية وإنما تقلل الاعتماد الكامل عليها. كما أشير إلى أن الولايات المتحدة قد تكون معنية بهذا النوع من الترتيبات إذا أسهم في حماية الملاحة والممرات المائية والمنشآت النفطية، لكنه قد يصبح موضع تحفظ أمريكي إذا تحول إلى قوة مستقلة تسعى إلى فرض توازن جديد مع إسرائيل.
وتناول أحد المشاركين مسألة أن الاتفاق يبدو أقرب إلى مشروع للمستقبل منه إلى استجابة ظرفية للحاضر، مشيراً إلى أن التطورات الأخيرة أثبتت أن وسائل الدفاع التقليدية وحدها لم تعد كافية لحماية المنشآت النفطية وخطوط الملاحة. كما اعتبر أن التحالف قد يكون محاولة سعودية لإضافة طبقة أمنية محلية ومستدامة، خصوصاً أن الحرب أثبتت أهمية الإمداد واللوجستيات وسرعة الحصول على الذخائر والمعدات.
وفي مداخلة أخرى، طُرحت تساؤلات حول الأساس الذي يقوم عليه التحالف في ظل ما يجري من إعادة تعريف للمشهد الإقليمي في غزة وسوريا ولبنان والعراق، وحول ما إذا كان الاتفاق استراتيجياً طويل الأمد أم تكتيكياً مرتبطاً بمرحلة ما بعد الحرب. كما أثيرت مسألة الدور الأمريكي، وما إذا كانت واشنطن تمنح «ضوءاً أخضر» لمثل هذا التحالف، أم أن الدول الثلاث تتحرك وفق مصالحها الخاصة.
وطُرحت كذلك أسئلة حول معنى «الدفاع المشترك»: هل يقتصر على توفير السلاح والمعلومات والتدريب، أم يتضمن التدخل العسكري المباشر؟ وما مدى جاهزية التعاون العسكري السعودي التركي، مقارنة بالتعاون السعودي الباكستاني الذي يمتد لسنوات طويلة؟ كما أثيرت مسألة عضوية تركيا في حلف الناتو، ومدى تأثير التزاماتها تجاه الحلف على علاقتها بتحالف مكة.
وتوقف النقاش أيضاً عند احتمال وقوع هجوم هندي على باكستان، متسائلاً عما إذا كانت السعودية وتركيا ستكونان مستعدتين للدخول في مواجهة مع الهند دفاعاً عن باكستان، وهو سؤال يعكس حجم التعقيد الذي يمكن أن يواجهه الاتفاق عند انتقاله من مستوى المبادئ إلى التطبيق.
كما ناقش المشاركون علاقة الاتفاق بالقضية الفلسطينية، وتساءلوا عن موقع غزة والقدس وفلسطين في أي منظومة أمن إقليمية جديدة، خاصة في ظل استمرار الحرب والتوترات في المنطقة. واعتبر بعض المتداخلين أن تجاهل القضية الفلسطينية قد يضعف البعد السياسي والأخلاقي لأي تحالف إقليمي، في حين رأى آخرون أن الاتفاق في مرحلته الحالية دفاعي بالدرجة الأولى ولا يحمل في وثيقته المعلنة موقفاً هجومياً تجاه طرف بعينه.
وفي ختام النقاش، عاد الدكتور أحمد عياصرة إلى التأكيد أن عدم وجود حدود مشتركة بين الدول الثلاث لا يمثل عائقاً أمام الدفاع المشترك، لأن القوة المشتركة يمكن تشكيلها وتسليحها وتدريبها وفق عقيدة عسكرية واحدة، مستشهداً بالتعاون السعودي الباكستاني السابق، الذي شهد إرسال قوات باكستانية إلى السعودية ووجود طائرات ومنظومات دفاع جوي في إطار التعاون بين البلدين.
وأكد أن الاتفاق لا ينبغي فهمه بوصفه بديلاً عن الولايات المتحدة، لأن العلاقات الأمريكية مع دول المنطقة راسخة ولها مصالح استراتيجية واقتصادية وأمنية واسعة، وإنما يمكن أن يكون شريكاً ومكملاً في تأمين الأمن الإقليمي وحماية الملاحة والممرات والمنشآت الحيوية. كما شدد على أن طبيعة الاتفاق دفاعية، وأن منطق الدفاع المشترك يختلف عن شن الحروب، إذ يفترض أن يكون التدخل مرتبطاً بالتعرض لعدوان خارجي.
وفي نهاية الحوار، خلصت المناقشات إلى أن «اتفاق تحالف مكة للدفاع المشترك 2026» يمثل محاولة لإعادة صياغة جزء من معادلة الأمن الإقليمي في مرحلة تشهد تحولات عميقة في موازين القوة وطبيعة التهديدات. وبينما يمتلك الاتفاق عناصر قوة واضحة تتمثل في الجمع بين المال والتكنولوجيا والقوة العسكرية والقدرة النووية والموقع الجغرافي، فإن نجاحه سيبقى مرهوناً بقدرته على تجاوز اختلاف المصالح بين الدول الثلاث، ووضع آليات واضحة لاتخاذ القرار العسكري، وبناء قيادة مشتركة، وربط منظومات الدفاع والاستخبارات والإنذار المبكر، وتطوير الصناعات الدفاعية المشتركة.
ويبقى السؤال الأهم: هل يستطيع الاتفاق الانتقال من إعلان سياسي إلى منظومة دفاعية فاعلة، أم سيبقى في حدود التنسيق السياسي والاستراتيجي؟ فالإجابة لن تحدد مستقبل هذا التحالف فحسب، بل قد تكشف أيضاً عن الاتجاه الذي تسير إليه المنطقة بأكملها: هل نحو مرحلة من الاعتماد الأكبر على القوى الإقليمية في حماية أمنها، أم نحو إعادة إنتاج التحالفات القديمة بأدوات وصيغ جديدة؟ وفي كل الأحوال، فإن أهمية اتفاق مكة لا تكمن فقط في الدول الثلاث التي وقعته، وإنما في كونه مؤشراً على أن معادلة الأمن في الشرق الأوسط باتت تبحث عن صيغ جديدة تتلاءم مع عالم تتراجع فيه قدرة المظلات التقليدية على الاستجابة وحدها لتهديدات تتغير بسرعة وتتجاوز الحدود.
جمعية الشؤون الدولية
Contact information, map and directions, contact form, opening hours, services, ratings, photos, videos and announcements from جمعية الشؤون الدولية, خلدا خلف البنك العربي/شارع اشتفينا, Amman.
التعريف عن الجمعية :-
نتيجة لتطور وسائل الأتصال بصورة جعلت العالم الواسع يصغر ، والمسافات تتضائل والمصالح والمشكلات تتعدد وتتشابك ، والأعتماد المتبادل بين الدول والشعوب يزداد تداخلت مصالح الشعوب والدول وازداد تفاعلها حتى أن أي مشكلة إقليمية كانت أم وطنية لم يعد بالأمكان رؤيتها أو حلها بمعزل عن مشكلات العالم و المؤثرات الخارجية المتعددة التي قد لا تقع تحت سيطرة أطراف المشكلة نفسها.
وفي السنوات
الذكاء الأصطناعي
عقدت جمعية الشؤون الدولية في يوم الثلاثاء الموافق 11-8-2026 محاضرة عن «الذكاء الاصطناعي: من فهم التقنية إلى فهم أثرها على مستقبل الأمم»، قدمتها سعادة الأستاذة الدكتورة سهاد الجندي، عضو مجلس الأعيان الأردني والأكاديمية والباحثة في مجالات التعليم العالمي والسياسات العامة، في لقاء اتسم بعمق الطرح واتساع النقاش، وتناول الذكاء الاصطناعي باعتباره تحولاً استراتيجياً يتجاوز حدود التقنية إلى إعادة تشكيل الاقتصاد والتعليم والأمن والدفاع والعلاقات الدولية وموازين القوى بين الدول.
واستهلت المحاضرة بالتأكيد على أن الذكاء الاصطناعي لم يعد موضوعاً يخص المبرمجين والمتخصصين في علوم الحاسوب، بل أصبح قضية عالمية حاضرة في اجتماعات قادة الدول والمؤسسات الدولية، وفي حسابات القوى الكبرى واستراتيجياتها الاقتصادية والأمنية. فالسؤال لم يعد، كما أوضحت المحاضرة، ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعل، لأنه أثبت قدرته على تنفيذ نطاق واسع جداً من المهام، وإنما أصبح السؤال الأهم: ماذا سيفعل الذكاء الاصطناعي بالدول والاقتصادات وموازين القوى العالمية؟ ومن يمتلكه؟ ومن يحكم استخدامه؟ وهل ستكون المؤسسات والدول مستعدة فعلاً لعصره؟
وأوضحت المحاضرة أن الاهتمام الشخصي بالذكاء الاصطناعي بدأ من تجربة أكاديمية وعلمية في مجال طب الأسنان، عندما جرى عام 2023 تنفيذ بحث مشترك بين كلية طب الأسنان وكلية علوم الحاسوب حول التشخيص والتنبؤ باستخدام نموذج قائم على التعلم العميق. وقد أثارت التجربة سؤالاً جوهرياً حول الطريقة التي تتعلم بها الآلة من البيانات والصور وتكتشف الأنماط وتصل إلى التنبؤات. ومن هنا تطور الاهتمام بالذكاء الاصطناعي، ليصبح مجالاً متواصلاً للتعلم والبحث، انطلاقاً من مبدأ أن الإنسان يجب أن يكون متعلماً مدى الحياة، خصوصاً أمام سرعة التحولات التكنولوجية التي يشهدها العالم.
وأكدت المحاضرة أن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي يمكن أن يؤدي إلى رفع الإنتاجية بصورة هائلة، إذ يمكن لبعض المهام التي كانت تحتاج إلى أسابيع أو أشهر أن تنجز خلال وقت قصير جداً، لكن الهدف من الحديث عن الذكاء الاصطناعي لا يتمثل في تقديم شرح تقني للتطبيقات، وإنما في الوصول إلى فهم مبسط لطبيعة هذه التقنية واستشراف مستقبلها، ثم تحديد التموضع الاستراتيجي للدول، وخاصة الأردن، في عالم يتشكل بصورة متسارعة تحت تأثيرها.
وفي تفسيرها لأسباب التحول الكبير في موقع الذكاء الاصطناعي، بينت المحاضرة أنه ليس نتاجاً مفاجئاً ظهر مع تطبيقات مثل «تشات جي بي تي» أو «جيميني»، وإنما هو حصيلة تراكم تكنولوجي امتد لعقود، بدأ مع اختراع الحاسوب، ثم تطور مع الإنترنت، والهواتف الذكية، والحوسبة السحابية، والبيانات الضخمة، وصولاً إلى التعلم الآلي والتعلم العميق ثم الذكاء الاصطناعي التوليدي والذكاء الاصطناعي الوكيلي.
فالحاسوب في بداياته كان أداة لمعالجة المعلومات من خلال أوامر وبرامج يحددها الإنسان، ثم جاء الإنترنت ليصل البشر ببعضهم وبكم هائل من المعلومات، وأتاحت الهواتف الذكية وصول هذه التكنولوجيا إلى كل فرد تقريباً، بينما وفرت الحوسبة السحابية والبيانات الضخمة البيئة اللازمة لتطوير نماذج الذكاء الاصطناعي. ومع تراكم البيانات أصبح بالإمكان تدريب الآلات على اكتشاف الأنماط بدلاً من إعطائها جميع القواعد بصورة مباشرة.
ومن هنا جاء التعلم الآلي، ثم التعلم العميق الذي يمثل مرحلة أكثر تقدماً في قدرة الآلة على التعامل مع كميات هائلة من البيانات واكتشاف الأنماط المعقدة. وشبهت المحاضرة الفرق بين التعلم الآلي والتعلم العميق بالفرق بين طالب قرأ مئة كتاب وطالب قرأ ملايين الكتب، موضحة أن حجم البيانات وقوة الحوسبة والتدريب أسهمت في نقل الذكاء الاصطناعي إلى مرحلة جديدة.
أما القفزة الأكبر فجاءت مع الذكاء الاصطناعي التوليدي، الذي لم يعد يكتفي بتحليل المعلومات أو التعرف إلى الأنماط، بل أصبح قادراً على إنتاج محتوى جديد، سواء كان نصوصاً أو صوراً أو تحليلات أو مواد أخرى. موضحة أن النموذج يستطيع إنتاج محتوى جديد استناداً إلى المعلومات والتعليمات التي تقدم إليه.
ثم انتقلت إلى مرحلة أكثر تطوراً تتمثل في الذكاء الاصطناعي الوكيلي Agentic AI، الذي وصفته بأنه الجيل الجديد من الذكاء الاصطناعي، لأنه لا يكتفي بإعطاء إجابة أو إنتاج محتوى، وإنما يستطيع التخطيط وتنفيذ سلسلة من المهام بصورة متكاملة. فإذا كان الذكاء الاصطناعي التوليدي يشبه مستشاراً يقدم إجابة متقدمة، فإن الذكاء الاصطناعي الوكيلي يشبه مدير مشروع يستطيع وضع خطة متكاملة وتنفيذ مراحلها، وهو ما يجعل تأثيره المحتمل على سوق العمل والإدارة والإنتاجية أكبر بكثير.
وأشارت المحاضرة إلى أن مسار تطور التكنولوجيا يعكس انتقالاً تدريجياً من تخزين المعلومات إلى تحليلها، ثم إنتاجها، وصولاً إلى تنفيذ مهام متكاملة بأقل تدخل بشري ممكن. وهذه النقلة هي التي تجعل الذكاء الاصطناعي مختلفاً عن كثير من التقنيات السابقة، لأنه لا يمثل مجرد أداة إضافية، وإنما منظومة يمكن أن تدخل في قطاعات الصحة والتعليم والإعلام والحكومة والإدارة والأمن والدفاع والاقتصاد والبحث العلمي.
وفي هذا السياق، تم التأكيد على أن الذكاء الاصطناعي يعيد تعريف مفهوم القوة الوطنية. ففي السابق كانت قوة الدول ترتبط بدرجة كبيرة بالجغرافيا والسكان والموارد الطبيعية والقوة العسكرية، أما في العصر الجديد فقد أصبحت هناك عناصر إضافية لا تقل أهمية، تتمثل في البيانات، والقدرة الحاسوبية، والطاقة، والرقائق الإلكترونية المتقدمة، والمواهب البشرية، والابتكار، والقدرة على وضع القواعد والمعايير المنظمة للذكاء الاصطناعي.
وقدمت المحاضرة مجموعة من الأرقام التي تعكس حجم التحول العالمي، بالاستناد إلى مصادر ودراسات دولية، من بينها تقرير Stanford AI Index ومصادر مرتبطة بالطاقة والذكاء الاصطناعي. وأشارت إلى أن 78% من المؤسسات التي شملتها إحدى الدراسات أفادت باستخدام الذكاء الاصطناعي، وأن حجم سوق الذكاء الاصطناعي عالمياً قد يصل إلى نحو 4.8 تريليون دولار بحلول عام 2033، فيما قد تتأثر نحو 40% من الوظائف عالمياً بهذه التكنولوجيا. كما أشارت إلى التوقعات المتعلقة باستهلاك مراكز البيانات للطاقة، والتي قد تصل إلى 945 تيراواط/ساعة بحلول عام 2030، إضافة إلى استثمارات مؤسسية عالمية في الذكاء الاصطناعي بلغت نحو 252 مليار دولار عام 2024.
وتكشف هذه الأرقام، وفق الطرح الذي قدمته المحاضرة، أن التنافس العالمي لم يعد يدور حول امتلاك تطبيقات للذكاء الاصطناعي فقط، وإنما حول امتلاك عناصر القوة التي تقوم عليها هذه الصناعة. فالدول تتنافس على الرقائق المتقدمة، والقدرات الحاسوبية، والطاقة، والبيانات، واستقطاب العلماء والخبراء، والأهم من ذلك كله القدرة على وضع القواعد والمعايير التي تحكم استخدام التكنولوجيا.
وفي قراءة لخريطة القوى العالمية في الذكاء الاصطناعي، أوضحت المحاضرة أن الاتحاد الأوروبي يركز بصورة كبيرة على التنظيم والثقة وحقوق الإنسان، فيما تتمتع الولايات المتحدة بموقع قوي في الابتكار والبنية التحتية والقيادة العالمية في المجال، بينما تركز الصين على حجم الاستثمارات والتكامل التكنولوجي والسعي نحو قدر أكبر من الاكتفاء التكنولوجي. ومن هنا يبرز سؤال استراتيجي مهم: هل القوة المستقبلية ستكون لمن يصنع التكنولوجيا، أم لمن يمتلك البنية التحتية، أم لمن يضع القواعد التي تحكم استخدامها؟ والواقع أن عناصر القوة الثلاثة أصبحت مترابطة.
وأشارت المحاضرة إلى وجود فجوة جديدة بين الدول، لافتة إلى أن 118 دولة ليست ممثلة في المبادرات الرئيسية لحوكمة الذكاء الاصطناعي، وأن الولايات المتحدة والصين تستحوذان على نحو 60% من براءات الاختراع المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، بينما تستحوذ مئة شركة فقط على نسبة كبيرة من الاستثمار العالمي للشركات في البحث والتطوير. وهذا يعني أن الذكاء الاصطناعي، بدلاً من أن يكون بالضرورة أداة لتقليص الفجوة بين الدول، قد يتحول إلى عامل لخلق فجوة جديدة بين الدول التي تنتج التكنولوجيا وتلك التي تكتفي باستخدامها واستيرادها.
ولم تغفل المحاضرة الفرص الكبيرة التي يوفرها الذكاء الاصطناعي، إذ يمكن أن يسهم في رفع الإنتاجية، وتسريع الاكتشاف العلمي، وتطوير الخدمات الصحية، وتحسين التعليم، وتعزيز كفاءة الخدمات الحكومية، ودعم النمو الاقتصادي وريادة الأعمال. إلا أن هذه الفرص تقابلها مخاطر حقيقية، من بينها فقدان بعض الوظائف أو إعادة تشكيلها، والتضليل والمعلومات غير الدقيقة، وما يعرف بالهلوسة في النماذج، وتهديد خصوصية البيانات، ومخاطر الأمن السيبراني، وتركيز القوة التكنولوجية في أيدي عدد محدود من الشركات والدول.
وفي الجانب المتعلق بالأردن، طرحت المحاضرة السؤال الأهم: أين ينبغي أن يضع الأردن رهانه في سباق الذكاء الاصطناعي؟ وأكدت أن الدول ليست متساوية في قدراتها، فهناك دول تنتج الذكاء الاصطناعي، وأخرى تستخدمه، ولا يمكن للأردن أن يدخل بالضرورة في كل مجالات المنافسة العالمية، ولا أن ينافس الدول الكبرى في إنشاء أضخم مراكز البيانات، لكنه يستطيع أن يحدد المجالات التي يمتلك فيها ميزة نسبية، وأن يستثمر في الإنسان والمعرفة والتعليم والحوكمة وإنتاج المحتوى.
وأكدت أن الأردن لديه استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي تنتهي عام 2027، إضافة إلى الميثاق الوطني لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، مع ضرورة الاستفادة من المرحلة المقبلة في بناء تموضع أردني أكثر وضوحاً في هذا المجال. كما شددت على أهمية حماية مراكز البيانات الوطنية، والتمييز بين البيانات العامة والبيانات الاستراتيجية للدولة، وعدم التعامل مع أدوات الذكاء الاصطناعي الخارجية بصورة عشوائية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمعلومات حساسة أو بيانات شخصية أو وطنية.
وكانت الحوكمة من أبرز المحاور التي تكررت خلال المحاضرة والنقاش، إذ أكدت المحاضرة أن الدول غير المنتجة للنماذج العملاقة تحتاج بصورة خاصة إلى أطر قوية لحوكمة الاستخدام. فكل سؤال أو معلومة أو وثيقة يتم إدخالها في بعض منصات الذكاء الاصطناعي قد تسهم في تغذية النماذج، ولذلك لا بد من وعي واضح بما يجوز إدخاله وما يجب حمايته.
وفي هذا الإطار، أشارت إلى أهمية إدخال ثقافة الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي إلى المدارس والجامعات والمؤسسات الحكومية، وتحديد الأطر العمرية والاستخدامية المناسبة، وعدم السماح بأن تتحول التكنولوجيا إلى بديل عن التعلم. كما لفتت إلى أهمية الاستفادة من التجربة الأوروبية في تنظيم الذكاء الاصطناعي، حيث وضعت أوروبا إطاراً تنظيمياً متقدماً يركز على المخاطر والحقوق والاستخدام المسؤول.
وشكل التعليم محوراً أساسياً في المحاضرة، إذ طرحت تساؤلاً بالغ الأهمية: إذا أصبح الطالب قادراً على الوصول إلى المعلومة خلال ثوانٍ، فما الذي ستبقى المدرسة والجامعة مسؤولة عن بنائه؟ وكانت الإجابة الضمنية أن وظيفة التعليم يجب أن تتغير من مجرد نقل المعلومات إلى بناء مهارات التفكير والتحليل والنقد والإبداع والقدرة على التحقق من المعلومات واستخدام التكنولوجيا بصورة أخلاقية ومسؤولة.
وفي النقاش، حذر عدد من المشاركين من مخاطر الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي في التعليم والبحث العلمي، خصوصاً في إعداد رسائل الماجستير والدكتوراه والواجبات الجامعية، مؤكدين أن توفير المعلومة بسرعة لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على فهمها وتحليلها ونقدها. كما أثيرت قضية المعلومات الخاطئة، وإمكانية أن يقدم الذكاء الاصطناعي إجابات غير دقيقة، الأمر الذي يجعل مهارة التحقق من المصادر والتمييز بين المعرفة الموثوقة وغير الموثوقة ضرورة أساسية لدى الأجيال الجديدة.
وتناول النقاش كذلك الجانب الأمني والعسكري، وما يمكن أن يحدث إذا دخل الذكاء الاصطناعي بصورة غير منضبطة في أنظمة التسليح أو التجسس أو الهجمات السيبرانية. وأثيرت تساؤلات حول الحاجة إلى قواعد دولية واضحة تمنع استخدام هذه التكنولوجيا في التدمير والإبادة الجماعية، وتحول دون انفلاتها من إطار المسؤولية الإنسانية. كما جرى التأكيد على أن الذكاء الاصطناعي، إذا أصبح قادراً على اتخاذ القرار وتنفيذه بصورة مستقلة، فإن مستوى المخاطر سيكون مختلفاً جذرياً عن الأدوات التكنولوجية التقليدية.
كما برز سؤال حول مستقبل الذكاء الاصطناعي العربي، وما إذا كان بالإمكان بناء نماذج عربية قادرة على استيعاب خصوصية اللغة والثقافة والمعرفة العربية. وأوضحت المحاضرة أن هناك جهوداً في دول عربية، منها السعودية والإمارات، لبناء نماذج ومنصات عربية، وأن جودة المحتوى العربي تمثل عاملاً أساسياً في نجاح هذه الجهود. فالنموذج لا يستطيع أن ينتج معرفة عالية الجودة إذا كانت البيانات التي يتدرب عليها غير دقيقة أو غير منقحة.
وفي هذا السياق، جرى التأكيد على أهمية إنتاج المعرفة العربية، وليس الاكتفاء باستهلاك التكنولوجيا الأجنبية. فامتلاك البيانات وحده لا يكفي، وإنما يجب أن تكون البيانات موثوقة ومنظمة ومنقحة، وأن يمتلك المجتمع القدرة على إنتاج معرفة جديدة وإدخالها في منظومات الذكاء الاصطناعي.
كما تناول النقاش مستقبل سوق العمل، حيث أشار المشاركون إلى أن الخوف من اختفاء الوظائف يجب ألا يتحول إلى خوف من التكنولوجيا ذاتها، لأن الذكاء الاصطناعي يمكن أن ينشئ صناعات ومهن ومجالات جديدة كما حدث مع الحاسوب والإنترنت. لكن التحدي يكمن في قدرة المجتمعات على إعادة تأهيل الإنسان وتمكينه من الانتقال من الوظائف التي تتراجع الحاجة إليها إلى مجالات جديدة تتطلب مهارات مختلفة.
وأكدت المحاضرة في ختام إجاباتها أن الأردن يمتلك فرصة حقيقية إذا أحسن تحديد المجالات التي يمكن أن يحقق فيها ميزة نسبية، وأن الحوكمة وحماية البيانات وإنتاج المعرفة وتطوير المهارات يجب أن تكون في قلب أي استراتيجية وطنية جديدة. كما شددت على ضرورة أن تتعامل المدارس والجامعات مع الذكاء الاصطناعي باعتباره واقعاً جديداً، لا باعتباره ظاهرة عابرة يمكن تجاهلها.
وفي ختام اللقاء، خلص النقاش إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يعد خياراً يمكن للدول أن تقرر ببساطة استخدامه أو عدم استخدامه، بل أصبح عنصراً جديداً في قوة الدول وتنافسها. فالمنافسة المستقبلية لن تحسم فقط لمن يمتلك التكنولوجيا، وإنما لمن يمتلك الإنسان القادر على توظيفها، ولمن يستطيع حماية بياناته، وإنتاج المعرفة، وبناء المؤسسات القادرة على تنظيم استخدامها.
وتبقى الرسالة الأبرز التي حملتها المحاضرة أن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيغير العالم، لأنه بدأ بالفعل في تغييره، وإنما أين سيكون الأردن والأمم العربية في العالم الذي يصنعه الذكاء الاصطناعي؟ فالتكنولوجيا، كما أوضحت المحاضرة، تشبه النار؛ يمكن أن تكون مصدراً للقوة والنفع، لكنها تحتاج إلى إطار يحكم استخدامها. ولذلك فإن الطريق أمام الأردن لا يمر بالضرورة عبر محاولة منافسة القوى الكبرى في كل شيء، وإنما عبر الاستثمار في الإنسان، والتعليم، وإنتاج المعرفة، والبيانات الوطنية، والأمن السيبراني، والحوكمة، والقدرة على استخدام الذكاء الاصطناعي بصورة مسؤولة.
وهكذا تحولت المحاضرة من شرح لتقنية حديثة إلى نقاش أوسع حول مستقبل الأمم، ومصادر قوتها، وقدرتها على حماية استقلال قرارها في عصر تصبح فيه البيانات والمعرفة والحوسبة والطاقة والمواهب البشرية عناصر أساسية في تشكيل القوة. وبينما تتسارع التكنولوجيا بصورة تفوق كثيراً قدرة المؤسسات على التكيف معها، تبدو الحاجة أكثر إلحاحاً إلى بناء جيل قادر على التعلم وإعادة التعلم والعمل مع الذكاء الاصطناعي دون أن يفقد إنسانيته أو قدرته على التفكير والحكم والمسؤولية.
فالذكاء الاصطناعي قد يرفع الإنتاجية ويختصر الزمن ويفتح آفاقاً غير مسبوقة في العلوم والاقتصاد والتعليم والصحة، لكنه في الوقت نفسه يفرض على الدول مسؤولية تاريخية في تحديد قواعد استخدامه وحماية بياناتها ومجتمعاتها. ومن هنا فإن معركة المستقبل ليست مع التكنولوجيا، بل مع التأخر في فهمها والاستعداد لها، لأن الدول التي ستنجح لن تكون بالضرورة تلك التي تمتلك أكبر عدد من البرامج، وإنما تلك التي تعرف كيف تحول الذكاء الاصطناعي إلى قوة للإنسان والدولة والمجتمع، وكيف تضمن أن يبقى القرار النهائي مرتبطاً بالحكمة والقيم والمسؤولية الإنسانية.
السيدات والسادة اعضاء جمعية الشؤون الدولية نذكركم في لقاء يوم الثلاثاء الموافق 18/8/2026 الساعه السادسة مساء وسوف يكون الحوار حول موضوع اتفاق تحالف مكة للدفاع المشترك 2026
09/08/2026
السيدات والسادة أعضاء جمعية الشؤون الدولية المحترمون نذكركم في لقاء يوم الثلاثاء الموافق ٤/٨ الساعة السادسة مساء وسوف يكون الحوار حول
ثلاثية. الجوار العربي :
الجغرافية الثابتة
و التاريخ المتحرك
و الواقع الماءزوم
مع سعادة السفير
الصادق الفقيه
السعادة شراكة المواطن والمجتمع والدولة
عقدت جمعية الشؤون الدولية يوم الثلاثاء الموافق 28-7-2026، في مقرها بعمان، محاضرة بعنوان "السعادة... شراكة المواطن والمجتمع والدولة"، قدّمها معالي الدكتور إبراهيم بدران، بحضور نخبة من الأكاديميين والخبراء والمهتمين بالشأنين العام والفكري. وقد تناولت المحاضرة مفهوم السعادة من منظور تنموي ومؤسسي، بعيدًا عن الفهم التقليدي الذي يربطها بالمشاعر الفردية العابرة، حيث أكد المحاضر أن السعادة المجتمعية هي نتاج شراكة متكاملة بين الدولة والمجتمع والمواطن، وأنها تمثل أحد المؤشرات الحقيقية لنجاح السياسات العامة وجودة الإدارة وكفاءة المؤسسات، وليست مجرد حالة نفسية أو شعور مؤقت بالفرح.
واستهل الدكتور بدران حديثه بالإشارة إلى أن اختيار هذا الموضوع قد يبدو مستغربًا في ظل ما تشهده المنطقة من حروب وأزمات سياسية واقتصادية، إلا أن هذا الاستغراب سرعان ما يتلاشى عند إدراك أن الأمم المتحدة اعتمدت منذ عام 2012 يوماً عالمياً للسعادة، وأنها أطلقت "مؤشر السعادة العالمي" الذي يقيس مستوى الرضا عن الحياة وجودة المعيشة في مختلف دول العالم. وأوضح أن اهتمام المؤسسات الدولية بهذا المؤشر يعكس إدراكاً متزايداً بأن التنمية الحقيقية لا تُقاس بحجم الاقتصاد أو القوة العسكرية فقط، وإنما بقدرة الدولة على توفير حياة كريمة يشعر فيها المواطن بالأمان والرضا والثقة بالمستقبل.
وبيّن أن قراءة نتائج مؤشر السعادة العالمي تكشف مفارقات لافتة، إذ تتصدر دول مثل فنلندا والدنمارك وآيسلندا والنرويج المراتب الأولى، رغم أنها ليست القوى السياسية أو العسكرية الأكبر في العالم، في حين تأتي دول كبرى في مراتب متأخرة نسبياً. وأوضح أن السبب يعود إلى ارتفاع مستويات الثقة بالمؤسسات، وتوافر العدالة الاجتماعية، وشبكات الحماية الاجتماعية، وجودة الخدمات الصحية والتعليمية، والشفافية، وسيادة القانون، وارتفاع مستوى الثقة بين المواطنين والإدارة العامة.
وأشار إلى أن الولايات المتحدة، رغم قوتها الاقتصادية والعسكرية، لا تحتل المراتب الأولى في مؤشر السعادة، نتيجة عوامل متعددة، من أبرزها تزايد الضغوط الاقتصادية، والانقسام المجتمعي والسياسي، وتراجع رضا الشباب عن الواقع، إضافة إلى مشكلات السمنة والمخدرات والتفكك الاجتماعي. كما توقف عند التجربة اليابانية، مبيناً أن التقدم الصناعي والتكنولوجي لا يكفي وحده لتحقيق السعادة، في ظل ضغوط العمل الشديدة، وضعف الحرية الشخصية، والتشدد الاجتماعي الذي ينعكس على شعور الأفراد بالرضا عن حياتهم.
وأكد الدكتور بدران أن مفهوم السعادة الذي تتبناه التقارير الدولية لا يعني الفرح المؤقت أو البهجة العابرة، وإنما يعني رضا الإنسان عن حياته، وشعوره بالأمان، وثقته بالمستقبل، واطمئنانه إلى أن الدولة والمجتمع يوفران له بيئة صحية وعادلة تساعده على تحقيق ذاته والعيش بكرامة.
وأوضح أن مؤشر السعادة يعتمد على مجموعة واسعة من المؤشرات، من أهمها دخل الفرد، وشبكات الضمان الاجتماعي، والرعاية الصحية، ومتوسط العمر الصحي، وجودة التعليم، وحرية الاختيار، وسيادة القانون، ومستوى الشفافية، ومكافحة الفساد، وجودة البيئة، والتوازن بين الحياة والعمل، والصحة النفسية، مؤكداً أن معظم هذه العناصر تقع ضمن مسؤوليات الدولة وسياساتها العامة.
وفي معرض حديثه عن الواقع العربي، أشار إلى أن غالبية الدول العربية ما تزال تحتل مراكز متأخرة في مؤشر السعادة العالمي، وهو ما يعكس الحاجة إلى إصلاحات إدارية وتعليمية وصحية وثقافية وبيئية عميقة، من شأنها تعزيز ثقة المواطن بمؤسسات الدولة وتحسين جودة الحياة بصورة عامة.
وبيّن أن الدولة تتحمل مسؤولية رئيسية في بناء مجتمع أكثر سعادة من خلال توسيع مظلة التأمين الصحي، وتحسين جودة التعليم، وترسيخ سيادة القانون، وتعزيز الحريات، ومكافحة الفساد، ورفع كفاءة الإدارة العامة، بحيث يشعر المواطن بأن المؤسسات تعمل لخدمته، لا أن يكون هو في خدمة البيروقراطية والإجراءات المعقدة.
وفي المقابل، شدد على أن المجتمع شريك أساسي في صناعة السعادة، من خلال تعزيز ثقافة العمل والإنتاج، والمحافظة على البيئة، ونشر قيم التسامح مع الماضي والتاريخ والآخر، وترسيخ ثقافة المرونة والتعاون، ودعم مشاركة المرأة في سوق العمل، وتشجيع الرياضة واللياقة البدنية، وتفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني، وتوسيع مفهوم الثقافة ليشمل الفنون والرياضة والجمال والذوق العام، باعتبارها جميعاً عناصر مؤثرة في جودة الحياة والصحة النفسية.
أما على مستوى المواطن، فقد أكد أن السعادة تبدأ من الالتزام بقيم المواطنة الحقيقية، وتحمل المسؤولية، واحترام القانون، والنزاهة، والإخلاص في العمل، والانفتاح على المعرفة والفنون، والمحافظة على البيئة، والاهتمام بالصحة واللياقة البدنية، والإيمان بالتعلم المستمر، موضحاً أن المواطن لا يستطيع مطالبة الدولة بكل شيء إذا لم يقم بدوره في بناء المجتمع وتحسين واقعه.
كما توقف عند أهمية البعد الجمالي في المدن والقرى، معتبراً أن توفير الحدائق والمناطق الخضراء، والعناية بالأرصفة، والاهتمام بالفنون العامة، ليست قضايا ثانوية، بل عناصر تؤثر بصورة مباشرة في الحالة النفسية للمواطنين وفي شعورهم بالرضا والانتماء، مشيراً إلى أن متوسط المساحات الخضراء للفرد في الأردن لا يزال أقل بكثير من المعدلات التي توصي بها منظمة الصحة العالمية.
وشهدت المحاضرة نقاشاً موسعاً من الحضور، حيث أكد عدد من المتداخلين أن تحقيق السعادة مسؤولية مشتركة لا يمكن تحميلها لطرف واحد، وأن الفرد يستطيع الإسهام في صناعة سعادته من خلال تغيير سلوكه ونمط حياته، إلا أن نجاح هذه الجهود يبقى مرتبطاً بوجود بيئة اقتصادية واجتماعية وإدارية داعمة توفر فرص العمل والخدمات الأساسية والعدالة وتكافؤ الفرص. كما أشار متحدثون إلى أن الأوضاع الإقليمية الصعبة والتحديات الاقتصادية التي تواجه الأردن والمنطقة العربية تلقي بظلالها على مستويات الرضا العام، الأمر الذي يجعل مسؤولية الدولة والمجتمع أكثر أهمية في تعزيز التماسك الاجتماعي وبناء الثقة والأمل بالمستقبل.
وأثارت المحاضرة نقاشاً واسعاً بين الحضور، حيث تنوعت المداخلات بين من ركز على مسؤولية الفرد في صناعة سعادته، ومن رأى أن البيئة السياسية والاقتصادية هي العامل الأكثر تأثيراً في مستوى الرضا المجتمعي. وأكدت إحدى المداخلات أن السعادة تبدأ بقرار شخصي، فالفرد يستطيع أن يختار أسلوب حياته، ويهتم بصحته، ويمارس الرياضة، ويتبنى نمطاً إيجابياً في التفكير، إلا أن هذا الدور لا يلغي مسؤولية الدولة والمجتمع في توفير البيئة التي تساعد الإنسان على تحقيق ذاته والشعور بالأمان والاستقرار.
وفي مداخلة أخرى، جرى التوقف عند المعايير التي يعتمدها تقرير السعادة العالمي، حيث أُشير إلى أن المؤشر لا يقوم على الانطباعات الشخصية، بل يستند إلى معايير علمية تشمل مستوى الدخل، والدعم الاجتماعي، ومتوسط العمر الصحي، وحرية اتخاذ القرار، ومستوى العطاء المجتمعي، ومكافحة الفساد، وهي مؤشرات تتفاوت أوزانها وفق منهجية علمية معتمدة. كما أثيرت تساؤلات حول تفاوت ترتيب بعض الدول العربية مقارنة بواقعها الاقتصادي والاجتماعي، الأمر الذي دفع إلى التأكيد على ضرورة قراءة هذه المؤشرات باعتبارها أدوات إرشادية وليست أحكاماً مطلقة.
وتناول عدد من المتحدثين العلاقة الوثيقة بين النمو الاقتصادي ومستوى السعادة، حيث أشاروا إلى أن تحسين جودة الحياة يحتاج إلى اقتصاد قوي قادر على توفير فرص العمل والخدمات والبنية التحتية، مؤكدين أن رفع معدلات النمو الاقتصادي يشكل مدخلاً أساسياً لتحسين مستويات الرضا المجتمعي، خاصة في ظل التحديات المعيشية التي تواجه شريحة واسعة من المواطنين.
كما ركزت مداخلات أخرى على أهمية التكافل الاجتماعي والإيثار والعطاء باعتبارها قيماً إنسانية تعزز السعادة، لافتة إلى أن المجتمعات العربية تمتلك رصيداً كبيراً من الترابط الأسري والاجتماعي، إلا أن هذه القيم تحتاج إلى تعزيز بصورة مؤسسية من خلال تشجيع العمل التطوعي والمسؤولية المجتمعية، ودعم المؤسسات غير الربحية التي تقدم خدماتها للمجتمع.
وتطرقت بعض المداخلات إلى أهمية العدالة الاجتماعية والمشاركة في صنع القرار، باعتبارهما من أهم عناصر بناء الثقة بين المواطن والدولة، كما أشار متحدثون إلى أن الديمقراطية، وسيادة القانون، وتكافؤ الفرص، والشعور بالإنصاف، تشكل ركائز أساسية لرفع مستوى الرضا العام، وهو ما يفسر تقدم العديد من الدول التي استطاعت بناء مؤسسات قوية تحظى بثقة مواطنيها.
وفي سياق آخر، استعرض الحضور دور الأسرة في ترسيخ مفهوم السعادة، مؤكدين أن الأسرة كانت تاريخياً المدرسة الأولى لغرس قيم القناعة والرضا والتعاون والتطوع، وأن تراجع هذه القيم نتيجة تغير أنماط الحياة والانشغال بالتكنولوجيا انعكس بصورة مباشرة على العلاقات الاجتماعية وعلى شعور الأفراد بالاستقرار النفسي. كما شدد عدد من المتحدثين على أهمية إعادة الاعتبار للفنون والموسيقى والمسرح والرياضة داخل المدارس، لما لها من دور في بناء شخصية الإنسان وتحقيق التوازن النفسي.
وأثارت قضية الصحة النفسية اهتماماً كبيراً خلال النقاش، حيث أكد بعض المشاركين أن الضغوط النفسية أصبحت من أبرز التحديات التي تواجه المجتمعات الحديثة، داعين إلى تعزيز خدمات الدعم النفسي، ونشر الوعي بأهمية الصحة النفسية باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من مفهوم السعادة وجودة الحياة.
كما شهدت الجلسة نقاشاً حول أهمية الثقة داخل المجتمع، حيث اعتبر عدد من المشاركين أن تراجع الثقة بين الأفراد والمؤسسات يشكل أحد أبرز التحديات التي تؤثر في شعور الإنسان بالأمان والانتماء، مؤكدين أن بناء مجتمع متماسك يتطلب تعزيز قيم التعاون والتكافل والشفافية، بما ينعكس إيجاباً على مستوى الرضا المجتمعي.
وتناول الحضور كذلك دور التعليم، حيث أشاروا إلى أن التجربة الفنلندية لم تحقق نجاحها في مؤشر السعادة إلا بعد أن أصبحت من أفضل الأنظمة التعليمية في العالم، إذ ركزت على تنمية مهارات التفكير والإبداع، ومنحت الطلبة مساحة واسعة لاكتشاف مواهبهم وممارسة الأنشطة الرياضية والفنية، وهو ما أسهم في بناء شخصية متوازنة وأكثر قدرة على التفاعل الإيجابي مع المجتمع.
وفي ختام النقاش، أجاب معالي الدكتور إبراهيم بدران عن مختلف التساؤلات، موضحاً أن الأرقام الواردة في تقارير السعادة العالمية ليست حقائق مطلقة، وإنما مؤشرات عامة تهدف إلى مقارنة أوضاع الدول وإبراز نقاط القوة والضعف فيها، مؤكداً أن الهدف من الاستشهاد بهذه المؤشرات ليس التوقف عند ترتيب دولة بعينها، وإنما الاستفادة منها في تطوير السياسات العامة وتحسين جودة الحياة.
وأشار إلى أن العطاء المجتمعي والعمل التطوعي من أهم مصادر السعادة، مبيناً أن المجتمعات التي تنتشر فيها ثقافة المبادرة والتبرع والعمل الخيري تحقق مستويات أعلى من الرضا الاجتماعي، داعياً إلى ترسيخ هذه الثقافة في المجتمع الأردني وتعزيز دور مؤسسات المجتمع المدني.
كما أوضح أن تحقيق السعادة لا يرتبط بالإنفاق الحكومي وحده، بل يتطلب تكاملاً بين الدولة والمجتمع والمواطن، فالدولة مطالبة بوضع السياسات العادلة وتطوير الخدمات، والمجتمع مطالب بنشر ثقافة التعاون والتسامح، بينما يتحمل المواطن مسؤولية الانخراط في العمل والإنتاج والإبداع والالتزام بالقانون، لأن التنمية لا تتحقق إلا بتكامل هذه الأدوار.
وأكد في ختام إجاباته أن إدارة الدولة لا تقتصر على معالجة الملفات السياسية والاقتصادية، بل تمتد إلى بناء الإنسان وتعزيز ثقته بنفسه وبمجتمعه وبمستقبله، مشدداً على أن السعادة ليست ترفاً فكرياً، وإنما مؤشر حقيقي على نجاح الدولة في تحقيق التنمية الشاملة وتحسين نوعية الحياة، وهو ما يستوجب أن تتحول إلى هدف استراتيجي تشترك في تحقيقه جميع مؤسسات الدولة والمجتمع والأفراد.
Click here to claim your Sponsored Listing.
Location
Contact the business
Telephone
Website
Address
خلدا خلف البنك العربي/شارع اشتفينا
Amman
Opening Hours
| Monday | 09:00 - 14:00 |
| Tuesday | 09:00 - 14:00 |
| 18:00 - 20:00 | |
| Wednesday | 09:00 - 14:00 |
| Thursday | 09:00 - 14:00 |
| Sunday | 09:00 - 14:00 |