تداعيات زيارة الرئيس الأمريكي ترامب الى الصين
أجرت جمعية الشؤون الدولية يوم الثلاثاء الموافق 19-5-2026 حواراً سياسياً وفكرياً موسعاً حول موضوع تداعيات زيارة الرئيس الأمريكي الى الصين. وذلك بحضور عدد كبير من أعضاء الجمعية والضيوف والخبراء والباحثين المهتمين بالشؤون السياسية والاستراتيجية الدولية. وقد جاء هذا اللقاء في ظل التطورات الدولية المتسارعة التي يشهدها العالم، وتصاعد التوتر بين الولايات المتحدة والصين، وتزايد الحديث عن تحولات جوهرية في شكل النظام الدولي وموازين القوى العالمية. وكان المتحدث الرئيسي في اللقاء الدكتور منذر الحوارات الذي قدم قراءة سياسية واستراتيجية شاملة لطبيعة العلاقات الأمريكية الصينية وأبعاد زيارة ترامب إلى بكين، وانعكاسات هذه الزيارة على المنطقة العربية والعالم.
في مستهل اللقاء أشار رئيس الجلسة إلى أن زيارة ترامب إلى الصين لا يمكن النظر إليها باعتبارها زيارة عادية أو بروتوكولية، بل تمثل حدثاً سياسياً واستراتيجياً مهماً يعكس حجم التنافس القائم بين أكبر قوتين اقتصاديتين وعسكريتين في العالم. كما أكد أن شخصية ترامب السياسية القائمة على لغة القوة والضغط تختلف عندما يتعلق الأمر بالصين، لأن العلاقات الدولية في النهاية تقوم على توازنات القوى واحترام المصالح الاستراتيجية الكبرى.
من جانبه بدأ الدكتور منذر الحوارات حديثه بالتأكيد على أن قمة بكين جاءت في مرحلة شديدة الحساسية من تاريخ النظام الدولي، موضحاً أن العالم يعيش حالة انتقال تدريجي من مرحلة الهيمنة الأمريكية الأحادية إلى مرحلة أكثر تعقيداً تتداخل فيها عوامل الاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة والتحالفات العسكرية والممرات البحرية. وأشار إلى أن القمة لم تكن مجرد اجتماع ثنائي بين دولتين كبيرتين، بل كانت محاولة لإدارة التنافس بين الطرفين ومنع انزلاقه إلى مواجهة مفتوحة قد تؤدي إلى اضطراب اقتصادي وسياسي عالمي واسع.
وتحدث المحاضر عن الخلفية التاريخية للعلاقات الأمريكية الصينية، مبيناً أن الولايات المتحدة في سبعينيات القرن الماضي اتجهت إلى بناء علاقات مع الصين بهدف استخدامها كقوة موازنة للاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة، إلا أن ما لم تدركه واشنطن في ذلك الوقت هو أن إدماج الصين في الاقتصاد العالمي سيسهم في صعودها كقوة اقتصادية واستراتيجية كبرى قادرة على منافسة الولايات المتحدة نفسها. وأضاف أن الصين استطاعت خلال العقود الماضية التحول إلى مصنع العالم، مستفيدة من الأسواق الغربية ومن النظام الاقتصادي العالمي الذي قادته الولايات المتحدة.
وأشار الدكتور الحوارات إلى أن الصراع بين الولايات المتحدة والصين لم يعد يقتصر على التجارة أو الميزان الاقتصادي، بل أصبح صراعاً على قيادة المستقبل، وخاصة في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والرقائق الإلكترونية والمعادن النادرة وسلاسل الإمداد العالمية. وأوضح أن الصين تمتلك نفوذاً واسعاً في ملف المعادن النادرة، حيث تسيطر على جزء كبير من المناجم والإنتاج العالمي، ما يمنحها ورقة قوة مهمة في الصناعات الدفاعية والتكنولوجية الحديثة.
كما تناول المتحدث الحرب التجارية بين البلدين، مبيناً أنها ليست مجرد خلاف اقتصادي تقليدي، وإنما تعبير عن صراع أعمق يتعلق بمن يمتلك مفاتيح الاقتصاد العالمي القادم ومن ستكون له القدرة على قيادة الثورة الصناعية الرابعة. وأوضح أن الولايات المتحدة تنظر إلى التقدم الصيني المتسارع باعتباره تهديداً مباشراً لنفوذها الاقتصادي والتكنولوجي، بينما ترى الصين أن من حقها الطبيعي أن تستعيد مكانتها كقوة حضارية وتاريخية كبرى.
وتطرق اللقاء إلى أهمية الممرات البحرية في الصراع الدولي، حيث أكد الدكتور الحوارات أن مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس أصبحت عناصر أساسية في الحسابات الاستراتيجية للقوى الكبرى. وأشار إلى أن أي اضطراب في هذه الممرات يؤدي إلى تأثيرات مباشرة على الاقتصاد العالمي والطاقة والتجارة الدولية، وهو ما يجعل المنطقة العربية والخليج العربي تحديداً في قلب التنافس الدولي. كما أوضح أن الصين تعتمد بشكل كبير على استقرار الممرات البحرية لضمان استمرار تدفق الطاقة والتجارة، في حين تعتبر الولايات المتحدة أمن هذه الممرات جزءاً أساسياً من استراتيجيتها العالمية.
وبيّن المحاضر أن الولايات المتحدة تمتلك مجموعة من أوراق القوة المهمة، أبرزها التحالفات العسكرية في آسيا والمحيط الهادئ، إضافة إلى قدرتها على التأثير في أمن الطاقة العالمي والممرات البحرية. كما أشار إلى أن واشنطن تعمل على الحد من التمدد الصيني في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، وتحاول الحفاظ على تفوقها في مجالات التكنولوجيا والبحث العلمي.
وفي المقابل أوضح أن الصين تنظر إلى نفسها باعتبارها قوة صاعدة عائدة إلى موقعها التاريخي، وأنها تفضل توسيع نفوذها عبر الاقتصاد والاستثمارات والتكنولوجيا بدلاً من التوسع العسكري المباشر. كما أشار إلى أن الصين تعمل وفق استراتيجية طويلة المدى تقوم على الصبر الاستراتيجي والتدرج في تحقيق أهدافها الدولية، مع تجنب الدخول في مواجهات عسكرية مكلفة قد تعرقل مشروعها الاقتصادي العالمي.
كما ناقش اللقاء قضية تايوان باعتبارها أحد أهم الملفات الحساسة بين الصين والولايات المتحدة، حيث أكد الدكتور الحوارات أن الصين تعتبر تايوان خطاً أحمر لا يمكن التهاون فيه، بينما تستمر الولايات المتحدة في اتباع سياسة الغموض الاستراتيجي عبر دعم تايوان عسكرياً وسياسياً دون الاعتراف الرسمي باستقلالها. وأوضح أن هذا الملف يبقى من أخطر الملفات القابلة للتصعيد بين الطرفين في المستقبل.
وشهدت الجلسة مداخلات موسعة من الحضور الذين ناقشوا عدداً من القضايا المتعلقة بمستقبل النظام الدولي، ومدى قدرة الصين على منافسة الولايات المتحدة، وتأثير الحرب على إيران في موازين القوى العالمية. كما تناولت المداخلات موضوع الملكية الفكرية والذكاء الاصطناعي والتنافس في مجال التكنولوجيا المتقدمة، إضافة إلى مستقبل التحالفات الدولية ودور أوروبا في ظل التغيرات الحالية.
وأشار عدد من المتحدثين إلى أن الصين حققت تقدماً هائلاً في مجالات الاقتصاد والصناعة والتكنولوجيا والبحث العلمي، وأنها أصبحت تمتلك حضوراً واسعاً في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية من خلال الاستثمارات والبنية التحتية والمشاريع الاقتصادية الكبرى. كما أكد بعض المشاركين أن الصين تعتمد على القوة الناعمة والنفوذ الاقتصادي أكثر من اعتمادها على القوة العسكرية المباشرة، وهو ما يميز تجربتها الدولية عن النموذج الأمريكي التقليدي.
كما ناقش الحضور طبيعة التغير في السلوك الأمريكي تجاه الحلفاء التقليديين، خاصة في أوروبا، حيث أشار البعض إلى أن الولايات المتحدة باتت تطالب حلفاءها بتحمل أعباء أكبر في القضايا الأمنية والعسكرية، في ظل ارتفاع تكلفة الدور الأمريكي العالمي. وتم التطرق كذلك إلى التحديات الداخلية التي تواجه الولايات المتحدة، سواء الاقتصادية أو السياسية أو المرتبطة بالاستقطاب الداخلي.
وفي سياق الحديث عن المنطقة العربية، أكد الدكتور الحوارات أن الدول العربية أصبحت جزءاً أساسياً من التنافس الدولي بسبب موقعها الجغرافي وثرواتها النفطية وأهمية الممرات البحرية الواقعة ضمن نطاقها. وأوضح أن ازدياد أهمية المنطقة يمنح الدول العربية فرصاً لتعزيز دورها ومصالحها، لكنه في الوقت نفسه يرفع احتمالات تحولها إلى ساحة صراع بين القوى الكبرى إذا لم تتمكن من إدارة علاقاتها الدولية بصورة متوازنة.
وأشار المتحدث إلى أن الأردن ليس بعيداً عن هذه التحولات، إذ إن أي اضطراب في الخليج أو في حركة التجارة والطاقة العالمية سينعكس بشكل مباشر على الاقتصاد الأردني والاستقرار الداخلي. ولذلك فإن فهم التحولات الدولية وقراءة طبيعة الصراع الأمريكي الصيني يمثلان ضرورة مهمة لصانع القرار العربي بشكل عام والأردني بشكل خاص.
وفي ختام اللقاء أكد الدكتور منذر الحوارات أن قمة بكين لم تنهِ التنافس بين الولايات المتحدة والصين، لكنها ساهمت في تخفيف احتمالات التصعيد المباشر بين الطرفين، وأنتجت نوعاً من الهدنة الاستراتيجية المؤقتة القائمة على إدارة الخلافات بدلاً من الانفجار المفتوح. كما أشار إلى أن العالم يتجه نحو مرحلة طويلة من التنافس الدولي في مجالات الاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا والممرات البحرية، وأن شكل النظام الدولي الجديد لم يتحدد بصورة نهائية حتى الآن.
واختتمت الجلسة بالتأكيد على أهمية استمرار الحوارات الفكرية والاستراتيجية التي تسهم في فهم التحولات العالمية، وضرورة أن تعمل الدول العربية على تطوير قدراتها الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية، وأن تستفيد من موقعها الاستراتيجي بدلاً من أن تبقى مجرد ساحة لتنافس القوى الكبرى، مع التأكيد على أن بناء القوة الداخلية والاعتماد على الذات يمثلان الأساس الحقيقي لحماية المصالح الوطنية في عالم يشهد تغيرات متسارعة ومعقدة.
جمعية الشؤون الدولية
Contact information, map and directions, contact form, opening hours, services, ratings, photos, videos and announcements from جمعية الشؤون الدولية, خلدا خلف البنك العربي/شارع اشتفينا, Amman.
التعريف عن الجمعية :-
نتيجة لتطور وسائل الأتصال بصورة جعلت العالم الواسع يصغر ، والمسافات تتضائل والمصالح والمشكلات تتعدد وتتشابك ، والأعتماد المتبادل بين الدول والشعوب يزداد تداخلت مصالح الشعوب والدول وازداد تفاعلها حتى أن أي مشكلة إقليمية كانت أم وطنية لم يعد بالأمكان رؤيتها أو حلها بمعزل عن مشكلات العالم و المؤثرات الخارجية المتعددة التي قد لا تقع تحت سيطرة أطراف المشكلة نفسها.
وفي السنوات
25/05/2026
أمن الموارد المائية
أجرت جمعية الشؤون الدولية في يوم الثلاثاء الموافق 12-5-2026 محاضرة تحت عنوان “أمن الموارد المائية” قدمها الدكتور دريد محاسنة، بحضور نخبة من الأكاديميين والخبراء والمسؤولين السابقين والمهتمين بالشأن المائي والسياسي في الأردن. وقد تناولت المحاضرة واحدة من أكثر القضايا إلحاحاً وخطورة على مستقبل الدولة الأردنية، وهي قضية المياه بوصفها ملفاً سيادياً وأمنياً يرتبط بالاستقرار الوطني والاقتصادي والاجتماعي. وتميزت المحاضرة بالصراحة والوضوح، حيث عرض الدكتور محاسنة تجربته الطويلة في إدارة ملف المياه والمفاوضات الإقليمية، مستنداً إلى خبرة عملية امتدت لعقود في لجان التفاوض مع كل من سوريا وإسرائيل، إضافة إلى إشرافه على ملفات المياه ضمن المبادرات الوطنية المختلفة.
استهل الدكتور محاسنة حديثه بالتأكيد على أن الأردن يواجه أزمة مائية مركبة تتجاوز البعد الفني والهيدرولوجي لتصبح قضية أمن قومي ترتبط مباشرة ببقاء الدولة واستقرارها، موضحاً أن المياه تختلف عن باقي الموارد الاستراتيجية كالنفظ والطاقة، إذ يمكن استيراد الطاقة من الخارج بينما لا يمكن استيراد المياه بالمعنى الحقيقي الذي يضمن الاستقرار والسيادة. وأشار إلى أن الأردن يعتمد على مصادر مائية مشتركة مع دول الجوار، سواء عبر نهر اليرموك مع سوريا أو عبر نهر الأردن الذي تسيطر إسرائيل على الجزء الأكبر من مياهه منذ عقود، الأمر الذي جعل الملف المائي مرتبطاً بالتحولات السياسية والصراعات الإقليمية بصورة مباشرة.
وتحدث بإسهاب عن اتفاقيات المياه التي رافقت معاهدة وادي عربة، موضحاً أن الأردن حاول خلال المفاوضات استعادة حقوقه المائية استناداً إلى مبادرة جونستون التي كانت قد وضعت تصوراً لتقاسم المياه في المنطقة منذ خمسينيات القرن الماضي. وبين أن الأردن كان يطالب بخمسين مليون متر مكعب إضافية من المياه، إلا أن الصياغات النهائية للاتفاقية بقيت فضفاضة وغير ملزمة بشكل حاسم، ما أتاح للإسرائيليين لاحقاً تفسير بند “التعاون” بطريقة تسمح لهم باعتبار المياه سلعة تباع للأردن بدلاً من كونها حقاً مائياً ثابتاً. واستعرض حادثة سياسية مهمة جرت أواخر التسعينيات عندما حاول الجانب الإسرائيلي إعادة التفاوض حول كميات المياه التي كانت تمنح للأردن، مؤكداً أنه رفض بشكل قاطع أي تعديل على الاتفاقيات الموقعة، معتبراً أن فتح باب التفاوض على بند واحد يعني عملياً فتح الباب لإعادة النظر في كامل الاتفاقية السياسية والحدودية والمائية.
وفي سياق حديثه عن العلاقة مع سوريا، أوضح الدكتور محاسنة أن أزمة المياه مع الجانب السوري تعود إلى التوسع الكبير في بناء السدود وحفر الآبار على مجرى نهر اليرموك، ما أدى إلى تراجع كميات المياه الواردة إلى الأردن بصورة حادة. وأشار إلى أن الاتفاقيات السابقة كانت تنص على عدد محدد من السدود والآبار، إلا أن الواقع تجاوز تلك التفاهمات بشكل كبير، الأمر الذي انعكس مباشرة على حصة الأردن المائية. كما استعرض جانباً من الجهود السياسية والفنية التي بذلت خلال سنوات سابقة لإقناع الجانب السوري بإعادة تدفق المياه وفق الاتفاقيات، مؤكداً أن الملف المائي كان دائماً مرتبطاً بالحسابات السياسية الإقليمية أكثر من ارتباطه بالاعتبارات الفنية.
وشكل مشروع الناقل الوطني محوراً أساسياً في النقاش، حيث عرض الدكتور محاسنة ملاحظاته الفنية والاقتصادية والسياسية حول المشروع، موضحاً أن الحاجة للمياه تجعل أي مشروع يوفر المياه للأردنيين مشروعاً مهماً من حيث المبدأ، لكنه أبدى تحفظات واسعة على آلية طرح المشروع وكلفته المرتفعة وطبيعة الشركات المنفذة له. وأشار إلى أن الكلفة التي كانت تطرح سابقاً للمشروع ارتفعت بشكل كبير، وأن المواطن الأردني سيتحمل أعباء مالية ضخمة مستقبلاً نتيجة التمويل والفوائد والتكاليف التشغيلية. كما قارن المشروع الحالي بمشروع قناة البحرين الذي كان مطروحاً قبل سنوات، مبيناً أن ذلك المشروع كان يوفر كميات مياه أكبر وبكلفة أقل نسبياً، إضافة إلى توليد الطاقة الكهربائية والاستفادة من فرق الارتفاع بين البحر الأحمر والبحر الميت.
وانتقد الدكتور محاسنة بشدة ربط الأمن المائي الأردني بالمزاج السياسي الإسرائيلي، معتبراً أن الاعتماد على مشاريع تتحكم إسرائيل بمصادرها أو بمفاتيح تشغيلها يمثل خطراً استراتيجياً طويل المدى. واستشهد بما جرى في غزة بعد السابع من أكتوبر عندما تم قطع المياه، معتبراً أن أي دولة لا تستطيع أن تضع أمنها المائي تحت رحمة طرف آخر مهما كانت الاتفاقيات السياسية الموقعة معه.
كما تناول المحاضر قضية الإدارة الداخلية للمياه، معتبراً أن جزءاً كبيراً من الأزمة سببه سوء الإدارة وضعف الرقابة والفاقد المائي المرتفع، حيث تصل نسب الفاقد إلى ما يقارب نصف المياه المنتجة. وأشار إلى أن الاعتداءات على خطوط المياه والآبار المخالفة أصبحت تمثل استنزافاً خطيراً للموارد المائية، داعياً إلى التعامل مع سرقة المياه باعتبارها قضية تمس الأمن الوطني. كذلك انتقد أنماط الزراعة المستنزفة للمياه، معتبراً أن تصدير بعض المنتجات الزراعية ذات الاستهلاك العالي للمياه يعني عملياً تصدير المياه الأردنية إلى الخارج بأسعار زهيدة، في وقت يعاني فيه المواطن من شح مائي متزايد.
وتطرق كذلك إلى مياه الديسي، موضحاً أنها مياه جوفية قديمة جداً وغير متجددة، وأن جزءاً من الآبار المكتشفة فيها يحتوي على نسب إشعاع وملوحة مرتفعة، ما يفرض تحديات إضافية تتعلق بنوعية المياه واستدامتها. كما بين أن البنية التحتية الحالية لنقل المياه من الديسي محدودة القدرة، الأمر الذي يجعل الاستفادة الكاملة من هذه المياه أمراً معقداً حتى لو تم وقف الزراعات القائمة في المنطقة.
وخلال الحوار الذي أعقب المحاضرة، تركزت مداخلات الحضور حول مستقبل الأمن المائي الأردني، وكلفة مشروع الناقل الوطني، وغياب الشفافية في بعض تفاصيله الفنية والمالية، إضافة إلى التساؤلات المتعلقة بمستقبل السدود وإدارة الفاقد المائي وسبل تطوير الإدارة الوطنية للمياه. كما ناقش الحضور تأثير التحولات الإقليمية والسياسية على حقوق الأردن المائية، والدور الذي تلعبه القوى الدولية والإقليمية في ملفات المياه بالمنطقة.
وأكد الدكتور محاسنة في ردوده أن الأردن بحاجة إلى استراتيجية وطنية شاملة للمياه تقوم على تنويع مصادر التزويد، وتحسين الإدارة، وتقليل الفاقد، وإعادة النظر في أولويات استخدام المياه، إلى جانب تعزيز مشاركة المجتمع والقطاع الخاص في مشاريع المياه الكبرى. كما شدد على ضرورة التعامل مع ملف المياه باعتباره أولوية وطنية عليا تتطلب نقاشاً سياسياً ومؤسسياً دائماً، لا مجرد معالجات مؤقتة أو موسمية.
وفي ختام اللقاء، أكد الحضور أهمية الطرح الذي قدمه الدكتور دريد محاسنة لما تميز به من صراحة ووضوح وقراءة سياسية وفنية عميقة لملف يعد من أخطر الملفات التي تواجه الأردن في الحاضر والمستقبل. وقد شكلت المحاضرة مساحة حوارية مهمة لفهم تعقيدات الأمن المائي الأردني، والتحديات التي تفرضها الجغرافيا والسياسة والإدارة، في وقت تتزايد فيه الضغوط السكانية والاقتصادية والمناخية على الموارد المائية المحدودة في المملكة.
السيدات والسادة اعضاء وضيوف الجمعية سيكون لقاء الثلاثاء الساعة السادسة مساء مع سعادة الدكتور منذر الحوارات حول موضوع تداعيات زيارة الرئيس الاميركي ترامب الى الصين.
العلاقات الأردنية الإيرلندية
عقدت جمعية الشؤون الدولية في يوم الثلاثاء الموافق 5-5-2026 محاضرة قدمتها سفيرة إيرلندا لدى المملكة الأردنية الهاشمية السيدة ماريان بولغر، بعنوان “إيرلندا والأردن.. وحدة القيم وقوة الشراكة”، وذلك بحضور رئيس الجمعية وأعضائها وعدد من الشخصيات السياسية والدبلوماسية والضيوف المهتمين بالشؤون الدولية والعلاقات الثنائية بين البلدين.
وفي مستهل اللقاء رحب رئيس الجلسة بالسفيرة الإيرلندية، مؤكداً عمق العلاقات الأردنية الإيرلندية القائمة على الاحترام المتبادل والتفاهم المشترك، مشيراً إلى أن البلدين رغم اختلافهما الجغرافي يشتركان في قيم إنسانية وسياسية عديدة، وفي مقدمتها دعم السلام والتعددية الثقافية واحترام القانون الدولي. كما عبّر عن تقدير الجمعية للمواقف الإيرلندية الداعمة للشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة، ولتأييد إيرلندا حل الدولتين باعتباره المسار الأنجع لتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة.
من جانبها أعربت السفيرة الإيرلندية عن سعادتها بالمشاركة في هذا اللقاء، مؤكدة أن تجربتها في الأردن خلال السنوات الأربع الماضية كانت من أكثر التجارب المهنية والإنسانية تأثيراً في حياتها، مشيدة بحفاوة الاستقبال التي لقيتها من الأردنيين وبطبيعة العلاقة الخاصة التي تجمع الشعبين الأردني والإيرلندي، والتي وصفتها بأنها علاقة تتجاوز المصالح السياسية التقليدية لتقوم على القيم المشتركة والروابط الإنسانية العميقة.
وتحدثت السفيرة عن أوجه التشابه بين البلدين، موضحة أن إيرلندا والأردن دولتان صغيرتان نسبياً، إلا أن لكل منهما دوراً مهماً في محيطه الإقليمي والدولي، وأن كليهما يؤمن بأهمية السلام والحوار والعمل متعدد الأطراف. وأشارت إلى أن افتتاح السفارة الإيرلندية المقيمة في عمّان عام 2019 شكّل محطة مفصلية في تطوير العلاقات الثنائية، وأسهم في تعزيز التواصل السياسي والاقتصادي والثقافي بين الجانبين، إلى جانب توسيع مجالات التعاون في ملفات متعددة، خصوصاً ما يتعلق بالقضية الفلسطينية والأوضاع الإقليمية.
وركزت السفيرة بشكل موسع على الموقف الإيرلندي من القضية الفلسطينية، مؤكدة أن بلادها ترى في الأردن شريكاً متقارباً في الرؤية تجاه ضرورة تحقيق السلام العادل والشامل القائم على حل الدولتين. وأوضحت أن إيرلندا دعمت بشكل واضح حقوق الشعب الفلسطيني، وقدمت مساعدات إنسانية كبيرة لقطاع غزة والضفة الغربية، إلى جانب مساهماتها المستمرة لوكالة الأونروا والمنظمات الإنسانية العاملة في الأراضي الفلسطينية. كما أشادت بالدور الأردني الإنساني، ولا سيما من خلال الممر الإنساني الأردني لإيصال المساعدات إلى غزة، مؤكدة أهمية استمرار تدفق المساعدات الإنسانية في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها الفلسطينيون.
وتطرقت السفيرة إلى اعتراف إيرلندا بدولة فلسطين، معتبرة أن هذه الخطوة جاءت انطلاقاً من قناعة راسخة بضرورة الاعتراف المتساوي بالطرفين إذا أريد تحقيق حل الدولتين. كما تحدثت بتأثر عن لقاء جمعها بأطباء فلسطينيين قادمين من غزة يوم إعلان الاعتراف، ووصفت المشهد الإنساني الذي رافق ذلك اليوم، مؤكدة أن الشعب الفلسطيني يجب ألا يشعر بأنه منسي أو متروك في مواجهة المعاناة المستمرة.
كما تناولت السفيرة التجربة الإيرلندية في عملية السلام في إيرلندا الشمالية واتفاقية الجمعة العظيمة، مشيرة إلى أن الصراع هناك كان يوصف سابقاً بأنه صراع مستعصٍ، إلا أن الحوار الشامل والإرادة السياسية والدعم الدولي ساهمت في الوصول إلى اتفاق تاريخي ما زال صامداً منذ أكثر من ثمانية وعشرين عاماً. واستعرضت عدداً من الدروس المستفادة من تلك التجربة، وفي مقدمتها أهمية الحوار الشامل، وإشراك جميع الأطراف، ودعم المجتمع الدولي، واحترام حقوق الإنسان، وضرورة بناء الثقة التدريجية بين الأطراف المتنازعة. وأكدت أن تجربة إيرلندا لا يمكن نقلها حرفياً إلى أي نزاع آخر، لكنها تقدم دروساً مهمة حول كيفية تحويل الصراعات إلى فرص لبناء السلام، مشددة على أن الأمل يجب ألا يغيب مهما بلغت تعقيدات الأزمات، وأن الاستسلام لفكرة استحالة الحل لا يخدم أي عملية سلام مستقبلية.
وفي محور آخر تحدثت السفيرة عن علاقة إيرلندا بالاتحاد الأوروبي، موضحة أن بلادها ترى في الاتحاد الأوروبي مشروعاً للسلام والتنمية والتعاون الاقتصادي، وأن عضويتها فيه أسهمت بشكل كبير في تحقيق نهضتها الاقتصادية. وأشارت إلى وجود تباينات داخل الاتحاد الأوروبي حول بعض الملفات، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، إلا أن إيرلندا واصلت العمل مع عدد من الدول الأوروبية للدفع نحو مواقف أكثر وضوحاً فيما يتعلق باحترام القانون الدولي وحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية.
كما استعرضت السفيرة تجربة إيرلندا الاقتصادية، موضحة أن بلادها واجهت لعقود طويلة تحديات اقتصادية كبيرة تمثلت في البطالة والهجرة وضعف التنمية، لكنها تمكنت من تحقيق تحول اقتصادي مهم عبر الاستثمار في التعليم والابتكار وجذب الاستثمارات الأجنبية والانفتاح على الأسواق العالمية. وأكدت أن الأردن يمتلك مقومات مشابهة تؤهله لتحقيق نجاحات اقتصادية كبيرة، خاصة في مجال رأس المال البشري والطاقات الشابة.
وتحدثت عن جهود السفارة الإيرلندية في دعم التعاون الاقتصادي والتعليمي مع الأردن، مشيرة إلى إطلاق مبادرات لتعزيز التعاون في مجالات التكنولوجيا والابتكار والتعليم العالي، بالإضافة إلى تضاعف أعداد الطلبة الأردنيين الدارسين في إيرلندا خلال السنوات الأخيرة. كما أشارت إلى التعاون بين الجامعات الأردنية والإيرلندية، وإلى مبادرات لدعم الشباب الأردني في مجالات العلوم والتكنولوجيا والريادة.
وفي هذا السياق استعرضت السفيرة مشروع “مبادرة العلماء الشباب الأردنيين” المدعوم من السفارة الإيرلندية، والذي يهدف إلى تشجيع الطلبة الأردنيين على الابتكار والبحث العلمي في مجالات العلوم والتكنولوجيا. وأشادت بالمشاريع التي قدمها الطلبة المشاركون، مؤكدة أن بعضها يحمل أفكاراً مبتكرة يمكن أن تسهم مستقبلاً في إنقاذ حياة البشر وتطوير القطاع الصحي والتكنولوجي.
كما تناولت السفيرة جانباً من التعاون الثقافي بين البلدين، مشيرة إلى النجاح الكبير الذي حققته عروض “ريفردانس” الإيرلندية في عمّان، إضافة إلى مشاركة السينما الإيرلندية في مهرجانات الأفلام الأردنية، مؤكدة أن الثقافة والفنون تشكل جسراً مهماً لتعزيز التفاهم والتقارب بين الشعوب.
وفي ختام المحاضرة فُتح باب النقاش والمداخلات أمام الحضور، حيث عبّر رئيس الجلسة عن شكره للسفيرة الإيرلندية على المحاضرة الغنية بالأفكار والمعلومات، مؤكداً أن ما طرحته من رؤى وتجارب يمثل نموذجاً ملهمًا للحضور، خصوصاً ما يتعلق بربط التنمية الاقتصادية بالقيم الإنسانية وبناء السلام. كما تحدث رئيس جمعية الشؤون الدولية الدكتور عدنان بدران، معرباً عن إعجابه بالتجربة الإيرلندية الاقتصادية والتحول الكبير الذي حققته إيرلندا خلال العقود الماضية رغم صغر حجمها السكاني والجغرافي، مشيراً إلى أن نجاحها اعتمد على الاستثمار في التعليم وربط الجامعات بالقطاعات الاقتصادية والإنتاجية، لا سيما في مجالات التكنولوجيا والصناعات الدوائية والطبية. وأكد أهمية الاستفادة من التجربة الإيرلندية في تطوير التعليم التقني والبحث العلمي في الأردن، وتعزيز برامج التبادل الأكاديمي ونقل التكنولوجيا، مشيراً إلى وجود فرص واسعة للتعاون بين البلدين في مجالات الصناعة الدوائية والتكنولوجيا الحيوية والقطاع الصحي والابتكار.
وشهدت الجلسة عدداً من المداخلات التي ركزت على الموقف الإيرلندي الداعم للقضية الفلسطينية، حيث أعرب عدد من الحضور عن تقديرهم للمواقف الإنسانية والسياسية التي تتبناها إيرلندا داخل الاتحاد الأوروبي دفاعاً عن حقوق الشعب الفلسطيني، متسائلين عن أسباب التباين بين المواقف الشعبية الأوروبية المؤيدة لفلسطين وبعض المواقف الرسمية المتحفظة داخل عدد من الحكومات الأوروبية. وردّت السفيرة بأن إيرلندا تواصل العمل داخل الاتحاد الأوروبي من أجل الدفع نحو مواقف أكثر وضوحاً فيما يتعلق بحقوق الفلسطينيين، مؤكدة أن بلادها تسعى باستمرار إلى تعزيز الخطاب الداعم لحل الدولتين ووقف الانتهاكات بحق المدنيين، لكنها أوضحت في الوقت ذاته أن اتخاذ مواقف جماعية داخل الاتحاد الأوروبي يخضع لتعقيدات سياسية وتاريخية متعددة.
كما أشاد الحضور بالدور الإنساني الذي يقوم به الأردن في استقبال اللاجئين والتعامل مع الأزمات الإقليمية، وهو ما وصفته السفيرة بأنه أحد أكثر الجوانب التي أثارت إعجابها خلال عملها في الأردن، مؤكدة أن الروح الإنسانية التي يتحلى بها الأردنيون في التعامل مع اللاجئين والمتضررين من الصراعات تمثل نموذجاً استثنائياً يستحق الاحترام والتقدير.
وتطرقت المداخلات كذلك إلى مستقبل التعاون الأردني الإيرلندي، خاصة في مجالات التعليم والابتكار وريادة الأعمال، حيث جرى الحديث عن أهمية تعزيز الشراكات بين الجامعات الأردنية والإيرلندية، والاستفادة من التجربة الإيرلندية في تطوير التعليم التقني وربطه بسوق العمل، إضافة إلى توسيع برامج دعم الشباب والبحث العلمي. وفي ردها على سؤال حول أولوياتها قبل انتهاء مهامها الدبلوماسية في الأردن، أوضحت السفيرة أنها تسعى إلى استكمال عدد من المشاريع المشتركة، من أبرزها تأسيس فريق عمل مشترك للابتكار بين البلدين، وتطوير برامج التوجيه الأكاديمي والتعاون بين الجامعات، إلى جانب العمل على إعداد خارطة طريق رسمية للعلاقات الثنائية بين الأردن وإيرلندا بما يعزز التعاون المستقبلي في المجالات السياسية والاقتصادية والتعليمية والثقافية.
كما شهدت الجلسة مداخلات شبابية أشادت بتجربة إيرلندا في التنمية الاقتصادية والتعليمية، وبالاهتمام الذي تبديه السفارة الإيرلندية بدعم المبادرات الشبابية والابتكارية في الأردن، خصوصاً مبادرة “العلماء الشباب الأردنيين” التي ساهمت في اكتشاف العديد من المواهب العلمية والبحثية لدى الطلبة الأردنيين. وأثنى بعض الحضور على الجهود الثقافية التي قامت بها السفيرة خلال فترة عملها، سواء من خلال دعم الفعاليات الفنية والسينمائية أو عبر نشاطات التقارب الثقافي بين الشعبين الأردني والإيرلندي، مؤكدين أن السفيرة تركت بصمة واضحة في تعزيز العلاقات الإنسانية والثقافية بين البلدين.
وفي ختام اللقاء جددت السفيرة الإيرلندية تأكيدها على عمق العلاقة التي تربط الأردن بإيرلندا، معربة عن أملها في استمرار تطوير هذه العلاقات في مختلف المجالات، ومشددة على أن الحوار والتعاون واحترام القيم الإنسانية المشتركة تبقى الأساس الحقيقي لبناء مستقبل أكثر استقراراً وعدالة للشعوب. واختُتمت المحاضرة وسط أجواء من التقدير والحوار الإيجابي، حيث عبّر الحضور عن امتنانهم للسفيرة على الطرح الصريح والإنساني الذي قدمته، وعلى ما عكسه اللقاء من عمق التفاهم والتقارب بين الأردن وإيرلندا على المستويين الرسمي والشعبي.
السيدات والسادة أعضاء جمعية الشؤون الدولية المحترمون نعلمكم ان لقاء يوم الثلاثاء الموافق 12/5 الساعة السادسة مساء سوف يكون حول موضوع
أمن الموارد المائية في الأردن مع الدكتور دريد محاسنة
05/05/2026
تعقد جمعية الشؤون الدولية الآن محاضرة بعنوان العلاقات بين الأردن و أيرلندا
تلقيها سعادة سفيرة ايرلندا في الأردن
إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية في الشرق الأوسط
أجرت جمعية الشؤون الدولية في يوم الثلاثاء الموافق 21-4-2026 حواراً دار حول إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية في الشرق الأوسط، وكان المتحدث معالي الدكتور سعيد المصري، بحضور نخبة من أصحاب الفكر والمتخصصين، حيث تناول اللقاء قراءة استشرافية لمستقبل الإقليم في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، وانتقاله التدريجي من الأحادية القطبية إلى التعددية، وما يرافق ذلك من إعادة صياغة للأدوار والتحالفات ومفاهيم القوة والنفوذ.
انطلق الطرح من التأكيد على أن ما يجري في المنطقة لا يمكن فهمه من خلال قراءة ماضوية، بل من خلال استشراف مستقبل تتداخل فيه السياسة بالاقتصاد والأمن بالتكنولوجيا، حيث أشار المتحدث إلى أن الشرق الأوسط ما زال يحتفظ بموقعه المحوري في الجغرافيا السياسية والاقتصاد العالمي، وأن استقراره أو اضطرابه ينعكس بشكل مباشر على النظام الدولي بأسره. وفي هذا السياق، تم التطرق إلى فكرة التوازنات الجديدة، خاصة في ضوء التقارب بين عدد من الدول الإقليمية مثل تركيا والسعودية ومصر وباكستان، مع تقارب موازٍ في المواقف لكل من الأردن وقطر، حيث طُرح التساؤل حول طبيعة هذا التقارب: هل هو تحالف حقيقي أم مجرد إطار تنسيقي مؤقت؟
أوضح الطرح أن ما يجري لا يرقى إلى مستوى التحالف بالمعنى التقليدي، بل هو أقرب إلى “منصة وظيفية” تهدف إلى احتواء التوترات وملء الفراغ الاستراتيجي الذي نشأ نتيجة تراجع الدور الأمريكي التقليدي في توفير الحماية الأمنية لحلفائه. هذا الفراغ، وفق الطرح، جاء نتيجة تحولات داخلية في الولايات المتحدة نفسها، حيث انتقلت من نموذج العولمة إلى نموذج يرتكز على القومية والمصلحة الوطنية الضيقة، وهو ما انعكس على سياساتها الخارجية، خصوصاً في ما يتعلق بتقليص التزاماتها العسكرية والاقتصادية خارج حدودها.
هذا التحول أدى إلى حالة من “الفوضى المنظمة” أو ما يمكن وصفه بالأناركية السياسية، حيث أصبحت العديد من الدول، خاصة الصغيرة والمتوسطة، مكشوفة أمنياً، بعد أن كانت تعتمد على مظلة الحماية الغربية. وفي ظل هذا الواقع، بدأت محاولات إقليمية لإعادة بناء توازنات جديدة، ليس فقط على المستوى العسكري، بل أيضاً على المستوى الاقتصادي، الذي اعتُبر المحرك الأساسي للمرحلة القادمة.
تم التركيز بشكل كبير على البعد الاقتصادي بوصفه جوهر الصراع والتحولات الجارية، حيث طُرحت رؤية تقوم على إنشاء شبكة من الممرات الاقتصادية متعددة المستويات، تربط بين الشرق والغرب والشمال والجنوب، وتشمل خطوطاً لنقل الطاقة التقليدية والمتجددة، وشبكات كهرباء، وممرات بيانات مرتبطة بالتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي. هذه المشاريع، التي تقدر استثماراتها بتريليونات الدولارات وتمتد لعقود، تعكس توجهاً دولياً لإعادة تشكيل المنطقة كفضاء اقتصادي متكامل يخدم مصالح القوى الكبرى، خاصة في ظل سعي أوروبا للحصول على مصادر طاقة بديلة بعد تراجع الاعتماد على روسيا.
في هذا الإطار، برزت فكرة أن الاستقرار في المنطقة لن يكون استقراراً كاملاً، بل “استقراراً مضبوطاً”، بحيث يتم تجنب الحروب الشاملة التي قد تهدد الاستثمارات، مع الإبقاء على مستوى معين من التوتر يتيح إدارة التوازنات. كما طُرح تصور بأن إسرائيل ستبقى لاعباً محورياً في هذا النظام، ليس فقط عسكرياً، بل كامتداد للنفوذ الغربي في المنطقة، خاصة مع احتمال تقليص الوجود العسكري الأمريكي المباشر.
النقاشات التي تلت الطرح الرئيسي تناولت عدة زوايا نقدية وتحليلية، حيث تم التأكيد على ضرورة عدم إغفال دور القوى الفاعلة الأخرى في الإقليم، مثل إيران وإسرائيل، باعتبارهما عنصرين أساسيين في أي معادلة توازن. كما أُشير إلى أن بعض الدول المطروحة ضمن “الرباعية” تعاني من قيود داخلية أو إقليمية تحد من قدرتها على لعب دور فاعل، سواء بسبب التزامات سياسية أو تحديات اقتصادية أو صراعات داخلية.
كما طُرحت إشكالية الاعتماد المزمن على الخارج، حيث تم التأكيد على أن غياب الإرادة الذاتية للتكامل بين الدول العربية يشكل العائق الأكبر أمام أي مشروع إقليمي حقيقي، في ظل استمرار الاعتماد على القوى الكبرى في الأمن والتكنولوجيا والصناعة. وتم الاستشهاد بتجارب دولية ناجحة مثل دول شرق آسيا التي استطاعت التحول من الهشاشة إلى القوة من خلال الاستثمار في التعليم والتكنولوجيا والتصنيع.
في المقابل، برزت مداخلات تدعو إلى قدر من التفاؤل، معتبرة أن التحولات الجارية، بما فيها الصراعات الأخيرة، قد تخلق وعياً جديداً لدى الدول العربية بضرورة الاعتماد على الذات وبناء منظومات تعاون اقتصادي حقيقية، خاصة في مجالات الطاقة والنقل والبنية التحتية. وتم التأكيد على أن أي قوة سياسية أو عسكرية لا يمكن أن تتحقق دون قاعدة اقتصادية صلبة، وأن التكامل الاقتصادي هو المدخل الطبيعي لبناء مناعة إقليمية.
كما تناول النقاش دور الأردن المحتمل في هذه الترتيبات، حيث تم طرحه كنقطة ارتكاز في المشاريع الاقتصادية المستقبلية، خاصة في مجالات اللوجستيات والطاقة والبيانات، مع التأكيد على ضرورة تطوير بنية تحتية رقمية متقدمة، مثل مراكز البيانات الإقليمية، والانخراط في الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، باعتبارها عناصر حاسمة في المنافسة المستقبلية.
في الجانب الاستراتيجي، تم التطرق إلى سيناريوهات إعادة التموضع العسكري في ظل التطور التكنولوجي، خاصة مع دخول الطائرات المسيرة والذكاء الاصطناعي في معادلات القوة، وهو ما يفرض إعادة تعريف مفاهيم الردع والتوازن. كما أُثيرت تساؤلات حول إمكانية نشوء تحالفات دفاعية إقليمية، وإن كانت في مراحلها الأولى ستبقى ذات طابع تنسيقي أكثر منها تحالفات صلبة.
واختُتم الحوار بالتأكيد على أن المنطقة تمر بمرحلة مفصلية يمكن وصفها بـ”صراع البقاء”، حيث لم يعد الخيار بين التقدم والتراجع، بل بين البقاء والتهميش. وأن الفرصة ما زالت قائمة أمام الدول العربية، إذا ما استطاعت الانتقال من حالة التشتت إلى حالة التكامل، ولو بشكل تدريجي، من خلال مشاريع مشتركة في مجالات محددة، بعيداً عن الطروحات الأيديولوجية الكبرى، والتركيز على المصالح العملية.
وفي المحصلة، عكس الحوار إدراكاً عميقاً لتعقيد المرحلة، وتبايناً في الرؤى بين الواقعية الحذرة والتفاؤل المشروط، لكنه أجمع على أن المستقبل سيتشكل بالاقتصاد والتكنولوجيا بقدر ما يتشكل بالسياسة، وأن من لا يواكب هذه التحولات سيجد نفسه خارج معادلة التأثير في النظام الإقليمي والدولي.
السادة ضيوف واصدقاء جمعية الشؤون الدولية نعتذر منكم عن لقاء يوم الثلاثاء الموافق 28/4/2026 وذلك بسبب انعقاد اجتماع للهيئة العامة السنوي المخصص فقط لأعضاء الجمعية .
نشكر لكم تفهمكم وتعاونكم ونلقاكم في الاسابيع القادمة كالمعتاد أن شاء الله..
الوضع الحالي في الأقليم الى أين؟
أجرت جمعية الشؤون الدولية في يوم الثلاثاء الموافق 14-4-2026 حواراً دار حول “الوضع الحالي في الإقليم إلى أين؟” بحضور نخبة من أعضاء الجمعية والمفكرين والمحللين، حيث جاء اللقاء في توقيت بالغ الحساسية تشهده المنطقة مع تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، وتداخل الملفات الإقليمية من غزة إلى لبنان وسوريا، في ظل حالة سيولة استراتيجية غير مسبوقة، وغياب وضوح الرؤية حول مآلات الصراع، الأمر الذي أفسح المجال لتباين واسع في القراءات والتحليلات بين المشاركين.
انطلقت الجلسة بالتأكيد على طبيعة الحوار المفتوح، حيث لا يوجد متحدث رئيسي بل مداخلات متتابعة تعكس تعددية الرؤى، وهو ما أضفى على النقاش طابعاً حيوياً قائماً على العصف الذهني. وفي هذا السياق طُرحت جملة من المؤشرات الأولية، من بينها ما تم تداوله في وسائل إعلام دولية مثل نيويورك تايمز وفاينانشال تايمز حول تحركات دونالد ترامب ومحاولته فتح مسار تفاوضي عبر بوابة إسلام أباد، بما يعكس رغبة في إيجاد مخرج سياسي بعد تعقيدات الميدان. كما أُشير إلى رفع سقف التفاوض عبر إرسال شخصيات ذات وزن سياسي، في مقابل سعي أمريكي إسرائيلي لفصل ساحات الاشتباك، خصوصاً بين الجبهة الإيرانية والجبهة اللبنانية، في حين احتفظت إيران بأوراق ضغط استراتيجية مثل مضيق هرمز وباب المندب.
تباينت آراء المشاركين حول موقع إيران في هذا الصراع؛ فبينما رأى البعض أنها ما تزال تحت ضغط مشروع أمريكي إسرائيلي يستهدف إخضاعها وإجبارها على تقديم تنازلات، اعتبر آخرون أن الحديث عن فقدانها لأوراق القوة مبالغ فيه، مؤكدين أنها لا تزال تمتلك أدوات ردع مهمة، سواء عبر قدراتها الصاروخية أو عبر حلفائها في الإقليم. وفي المقابل، طُرح تصور يرى أن الولايات المتحدة انتقلت إلى مرحلة أكثر خطورة تتمثل في الحصار البحري، بوصفه أداة قاتلة قد تفوق في تأثيرها الضربات العسكرية المباشرة، لما له من انعكاسات اقتصادية وإنسانية عميقة على الداخل الإيراني.
وفي إطار تحليل سلوك الأطراف، جرى توصيف الاستراتيجيات الثلاث الحاكمة للصراع؛ فإسرائيل تعتمد نهج الحسم العنيف والسريع، بينما تميل الولايات المتحدة إلى الاحتواء وإضعاف الخصم، في حين تتبنى إيران استراتيجية الصبر الاستراتيجي وبناء الردع التدريجي. وقد أفضى هذا التفاعل إلى نوع من التوازن النسبي، حيث لم يتمكن أي طرف من تحقيق نصر حاسم، ما جعل المشهد أقرب إلى “عضّ الأصابع” منه إلى حرب فاصلة، مع بقاء جميع السيناريوهات مفتوحة.
وتناول النقاش السيناريوهات المستقبلية المحتملة، حيث تم تقسيمها إلى مسارات “ناعمة” تقوم على استمرار حالة اللاسلم واللاحرب، عبر العقوبات والتصعيد المحدود والضربات غير المباشرة، ومسارات “خشنة” قد تنزلق إلى مواجهة عسكرية واسعة النطاق، إضافة إلى سيناريو ثالث وُصف بـ”المجنون” المرتبط بشخصية ترامب وتقلب قراراته. وفي هذا الإطار، أُشير إلى أن أي تصعيد كبير قد يقود إلى إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية، وربما إحياء مشاريع مثل التحالفات الإبراهيمية، مع ما يحمله ذلك من تداعيات على القضية الفلسطينية.
ولم يغب البعد الداخلي الأمريكي عن النقاش، حيث تم التطرق إلى حالة الانقسام داخل الولايات المتحدة، ووجود معارضة متزايدة للحرب داخل الكونغرس والرأي العام، إلى جانب تراجع الدعم الأوروبي وفتور موقف حلف الناتو، ما يعكس عزلة نسبية للسياسة الأمريكية. كما أُثيرت مسألة توظيف الحرب في الداخل الأمريكي لأهداف سياسية وانتخابية، في ظل اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.
وفي المقابل، برز اتجاه آخر يرى أن ميزان القوة يميل بوضوح لصالح الولايات المتحدة وإسرائيل، استناداً إلى التفوق العسكري والتكنولوجي والقدرة على إدامة العمليات، مقابل محدودية القدرة الإيرانية على التعويض في ظل الحصار. إلا أن هذا الطرح قوبل برأي مضاد يشكك في قدرة واشنطن على حسم صراع طويل، مستشهداً بتجارب سابقة في العراق وأفغانستان وفيتنام.
الحاضر الأكبر في معظم المداخلات كان موقع العالم العربي في هذا الصراع، حيث أجمع المشاركون، رغم اختلافاتهم، على أن الدول العربية تبقى الخاسر الأكبر في مختلف السيناريوهات، سواء من خلال التبعات الأمنية كتصاعد التهريب والاختراقات الحدودية، أو الاقتصادية عبر ارتفاع الأسعار وتراجع الاستثمارات والسياحة، أو السياسية نتيجة استمرار حالة الانقسام والضعف. كما طُرحت تساؤلات عميقة حول غياب الفعل العربي الجماعي، واستمرار الاعتماد على القوى الخارجية في إدارة أزمات المنطقة.
وتطرق النقاش أيضاً إلى التحولات في الرأي العام العربي، حيث لوحظ تزايد التشكيك في الروايات التقليدية، وارتفاع حدة الغضب تجاه السياسات الأمريكية والإسرائيلية، مقابل نوع من إعادة تقييم العلاقة مع إيران، وهو ما قد يحمل تداعيات مستقبلية على شكل الاصطفافات في المنطقة.
وفي ختام الحوار، برزت قناعة عامة بأن المنطقة تقف أمام مرحلة إعادة تشكل شاملة، قد تطال موازين القوى، وخرائط النفوذ، وحتى طبيعة الدولة ووظائفها. وبينما قد يسعى ترامب إلى إعلان “نصر سياسي” عبر اتفاق ما يحفظ ماء الوجه، يبقى الخطر الحقيقي، كما أشار عدد من المشاركين، متمثلاً في استمرار السياسات الإسرائيلية على الأرض، خاصة في غزة ولبنان وسوريا، في ظل غياب ردع حقيقي أو موقف عربي موحد.
وعليه، خلصت الجلسة إلى أن السؤال الأهم لم يعد من سينتصر في هذه الحرب، بل كيف يمكن للعالم العربي أن يخرج من حالة التلقي إلى الفعل، ومن موقع التأثر إلى التأثير، في إقليم يعاد تشكيله على وقع الصراعات الكبرى، وفي ظل نظام دولي يشهد تحولات عميقة قد تعيد رسم قواعد اللعبة لسنوات قادمة.
Click here to claim your Sponsored Listing.
Location
Contact the business
Telephone
Website
Address
خلدا خلف البنك العربي/شارع اشتفينا
Amman
Opening Hours
| Monday | 09:00 - 14:00 |
| Tuesday | 09:00 - 14:00 |
| 18:00 - 20:00 | |
| Wednesday | 09:00 - 14:00 |
| Thursday | 09:00 - 14:00 |
| Sunday | 09:00 - 14:00 |