24/10/2026
40% على شركات المحروقات: إجراء مهم، لكنه ناقص بدون مراقبة الأسعار.
رفعت الحكومة سعر الضريبة على الشركات الكبرى العاملة في استيراد وتوزيع المحروقات إلى 40%، بالنسبة للمقاولات التي يبلغ ربحها الصافي 100 مليون درهم أو أكثر.
هذا الإجراء، في حد ذاته، يمثل تطورا مهما في السياسة الجبائية. فهو يقر لأول مرة بمبدأ أن القطاعات ذات الربحية المرتفعة، والتي تعمل في سوق محدودة التنافس، يجب أن تتحمل مساهمة جبائية أعلى.
لكن أهمية أي إجراء جبائي لا تقاس بنسبة الضريبة فقط، بل تقاس بقدرته على تحقيق الهدف الذي وُضع من أجله، وبقدرته على حماية المستهلك من تحمل كلفته.
ومن هنا، يطرح هذا الإجراء ثلاثة أسئلة مهنية لا يمكن تجاوزها.
*أولا: سؤال التوقيت والسياق
لماذا لم يُتخذ هذا الإجراء في السنوات التي كانت فيها أسعار المحروقات في ذروتها، وكانت هوامش الربح في القطاع موضوع نقاش عمومي واسع؟
طرح هذا السؤال لا يعني التشكيك في الإجراء، بل يعني وضعه في سياقه. لأن الإجراءات الجبائية التي تأتي بعد ذروة الأرباح، تكون أقل أثرا من الإجراءات التي تواكبها في حينها.
ثانيا: سؤال من سيتحمل الكلفة فعلا؟
هذا هو السؤال المركزي.
قطاع المحروقات في المغرب لا يعمل في سوق تنافسية كاملة. عدد الفاعلين الكبار محدود، والمواطن لا يملك بديلا حقيقيا.
في مثل هذا السوق، هناك خطر موضوعي أن يتم تمرير جزء من الكلفة الجبائية الجديدة إلى المستهلك، عبر زيادة في الأسعار، تحت غطاء تقلبات الأسعار العالمية.
هذا الخطر ليس افتراضا نظريا، بل هو ما يحدث عادة عندما تُرفع الضريبة على قطاع احتكاري أو شبه احتكاري دون أن تكون مصحوبة بآلية لمراقبة الأسعار وهوامش الربح.
الحكومة لم تعلن، إلى حدود اليوم، عن أي آلية من هذا النوع. ولم توضح كيف ستمنع أن يدفع المواطن، في محطة البنزين، ثمن ضريبة كان من المفترض أن تتحملها الشركات.
ضريبة 40% بدون آلية لمراقبة الأسعار، قد تتحول في الواقع إلى ضريبة غير مباشرة على المستهلك.
ثالثا: سؤال العدالة الجبائية والتهرب
تحديد عتبة 100 مليون درهم يطرح إشكالا تقنيا مهما: كيف ستتعامل الإدارة الجبائية مع الشركات التي تقسم أنشطتها أو أرباحها على شركات فرعية لتظل تحت العتبة؟
العدالة الجبائية لا تتحقق برفع النسبة فقط، بل بتوسيع الوعاء الجبائي، ومنع التهرب، وضمان الشفافية في الأرقام الحقيقية لأرباح القطاع.
دون منظومة مراقبة وشفافية، يظل الإجراء ناقصا، حتى وإن كانت نسبته مرتفعة.
اعتقد من خلال كل هذا :
إجراء رفع الضريبة إلى 40% هو خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنه خطوة غير مكتملة.
لكي يتحول من إجراء جبائي إلى إجراء للعدالة، يجب أن يكون مصحوبا بثلاثة شروط:
1. نشر الأرقام الحقيقية لأرباح القطاع وهوامش الربح.
2. وضع آلية مستقلة لمراقبة أسعار البيع عند محطات الوقود.
3. ربط الضريبة بسقف لهوامش الربح، حتى لا يتم تمرير كلفتها إلى المستهلك.
بدون هذه الشروط، ستحقق الدولة مداخيل إضافية، لكن المواطن قد لا يشعر بأي تحسن في فاتورته اليومية.
والمعيار الذي سيحكم به المواطن على هذا الإجراء، لن يكون هو نسبة الضريبة في قانون المالية، بل هو ثمن اللتر في محطة البنزين، وثمن النقل، وثمن المواد التي تنقل بالمحروقات.